الناشر و رئيس التحرير : محمود كريشان
التاريخ : 2019-01-15
الوقت : 07:13 pm

كريشان يكتب: "عقيل" أجاره واصل!

كتب: محمود كريشان
في تلك الأثناء .. استقظ "عقيل" من "غفوته"، على صوت المضيف الأرضي "الكونترول" في باص "الكوستر" العمومي، محذراً من عدم إحكام حزام الأمان، ومبيناً مكان "سترة النجاة"، لأن قائد الباص "الشوفير" ينوي الإقلاع من أرض موقف الباصات، في مطار مجمع رغدان الدولي بالمحطة !.
في غضون ذلك، طافت الذكرى في مخيلة "عقيل" .. وامتدت على مساحدة الجغرافيا في وطن "كان" بذات زمن بحجم بعض الورد مساحة .. ولس "فساداً" ليس مجهول النسب !!.
وعلى صلة .. وعلى امتداد الطريق .. والتعب والوجع .. الصبر والرضا .. ابتسم "عقيل" هرباً من هموم، تعجز الجبال عن تحمّلها .. تذكر الحاج مازن، عندما استفسر "توهان" من الحاج مازن عن سبب عدم القيام زراعة الشوكولاته في الأغوار ؟.. وقد أجابه الحاج القبج بلهجته الفلاحية المحببة: إنت مجنون .. ما هي بتسوح ! .. بمعنى "تذوب" من شدة حرارة شمس الأغوار الساطعة !.
استذكر فيما تذكر .. برامج إذاعية وتلفزيونية عديدة .. "فكر واربح" .. رافع شاهين .. ما يطلبه المستمعون .. و"سلامي لكم" .. "كوثر النشاشيبي" .. و "من المسؤول" محمد أمين سقف الحيط .. و"ابراهيم شاه زاده" عندما قرأ بيان رسمي بعد نشرة أخبار الساعة الثامنة مساءً، وقد وصفته الجماعة الإسلامية "آنذاك" بـ"ابراهيم شاه زادها" !! .. الوطني الاستشاري .. ليث شبيلات، يعقوب قرش، سليمان عرار .. وزارة الخارجية "الدوار الثالث" .. مدير المراسم السفير سمير مصاروة، ابرهيم نغوي، نبيه النمر، عبدالإله الخطيب، ابراهيم الدباس، سامي لاش، نجاة زاش، أحمد الحجايا، طراد الفايز، نايف القاضي .. ورحم الله برحمته الواسعة أحمد العضايلة، نائب المعايطة، أبو علي كريشان، عصام أبو شتال ..
في تلك الرحلة .. كان سايق الباص، يُمعن في تحريك مواجع "عقيل" وهو يضع شريط كاست بصوت الفنان محمد عبده وهو يشدو برائعة "من بادي الوقت" إلى أن وصل مقطع "أخالف العمر راجع سالف أعوامي" .. الأمر الذ جعل "عقيل" يشمخ و"يعنقر" شماغه المهدب بالصبر، اعتزازاً بزمن مضى، كان للمنصب هيبته ونخوته ونظافته .. شماغ "حابس المجالي" الذي كان نعطف يميناً نحو الوطن، و"البورية العسكرية" عندما شمخت فوق رأس قائد الجيش " زيد بن شاكر" .. وزمن الصمت النبيل، والإنجاز المكثف، لرجال ما بدلوا عن محبة الأردن تبديلاً .. "الباشاوات" محمد رسول الكيلاني، طارق علاء الدين، مصطفى القيسي،سعد خير، عصام الجندي، سليمان الكردي، خالد هجهوج، مروان العمد، عامر جلوقه، عبدالاله الكردي، ابراهيم العودات، فتحي وفخري أبو طالب، عبدالهادي المجالي، البطل أحمد علاء الدين الشيشاني، عبدالوهاب النوايسة، منصور شراري المجالي، خير الدين شعبان، مصطفى العضايلة، خليل أمين الربابعة، عواد الفاعوري .. وقبل كل ذلك .. سيد شهداء الأردن "وصفي التل" و"عبدالحميد شرف" ..
أمام ذلك، أقسم "عقيل" الذي وصل على مشارف الخمسين من عمره المديد، بأغلظ الأيمان، ولا يطمح بأي منصب أو مغنم .. بأن الكوكبة المؤمنة في شارع الشعب، التي تحملت المسؤولية في ظروف صعبة وقاهرة، كان البعض يحزم حقائبه، تمهيداً للفرار ومغادرة البلد، على اعتبار أن الأمور "خربانة" في زمنة الربيع العربي المزعوم .. بل "المأزوم" على رأي "عقيل"..
من جهة أخرى .. كان عقيل يستعرض وجوه ركاب الباص، مكتشفاً أن سوادهم الأعظم من العابسين، البائسين، المحبطين، يحملون على أكتافهم المثقلة جبالاً من الهموم المحلية، والمتعلقة برغيف الخبر وقلن الكاز، وكيلو السكر والرز .. وزيت القلي الذي دوماً يُزعج الأزواج ..
وفوق ذلك لمس "عقيل" بفطنته البدوية أو القروية الفلاحية، أن جبالاً من الهموم يحملونها فوق أكتافهم النحيلة، فما تصارع عظامهم الهشة كافة الأمراض المزمنة .. وغير المزمنة، وفي قلوبهم المرتجفة ما يكفي ثلاث قارات من الحزن المقيم .. وبالطبع فإن "عقيل" على قناعة مطلقة أنه من "الركاب" و"إليهم" .. بمعنى في "الهوى سوا" ! ..
"عقيل" الذي يُجيد توظيف الأحداث واستثمارها، قرر تحت أروقة الباص العمومي الكوستر، استثمار الموضوع بممارسة سايكولوجيا المقهورين، باختزال الذكريات .. وصرخ بأدب جم ناهراً "كونترول الباص": نزلني عند المقبرة .. ربما قرر "عقيل" الموت، بالسكتة المالية وليس القلبية، بعد أن قرصن أولاد الحلال .. ولا يقول "الحرام" تأدباً .. على ما تبقى من أحلامه، وسرقوا كل بارقة أمل من أمنياته وحقوقه "المنقوصة" !!..
رضخ "السواق" و"الكونترول" عند رغبة "عقيل" وتوقف الباص عند المقبرة، وكان صوت "فارس عوض" يصدح من مسجل الباص، بأجواء شاعرية، رومانسية: وا ساري ساري الليل .. وكان عقيل يدس يده في جيبه بحثاً عن الفراطة ليدفع أجرته .. لكن أحد ركاب الباص كان يرخ بأعلى صوته: عقيل .. أجاره .. واصل !!.
"عقيل" الذي كان في تلك الأثناء .. تماماً مثل "جدي الفارده" .. أو مثل "الأطرش في الزفة" .. لا يعرف أي شيء .. بل لا يعلم من هو الشخص الذي دفع الأجار عنه .. قال في قرارة نفسه: فعلاً يا "عقيل" إنه أجارك واصل .. بل وأنك خالص كازك .. أنت الإنتماء ليدك زائد عن حدوده .. والجميع استفاد من المرحلة .. وأنت لا تزال على رصيف الوجع .. بالمصطلح العسكري: مكانك سر .. أو .. إلى الخلف سر.
kreshan35@yahoo.com

   
الإسم
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الهلال نيوز الإخباري' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .

الاردن الاخبار , اخبار الاردن, عاجل من الاردن , المحافظات الاردنية ,الطقس بالاردن
اخبار الاردن
الاردن اليوم
أكشن اليوم العربي Action Today Action Today