الناشر و رئيس التحرير : محمود كريشان
التاريخ : 2018-10-30
الوقت : 06:11 pm

ذوقان الهنداوي … قصة “الأستاذ” .. رجل الدولة والوطن

الهلال نيوز-بقلم: د. أحمد ذوقان الهنداوي

د. محمد الحباشنة… مراجعة: د. فواز عبد الحق

في منتصفِ القرنِ التاسع عشر للميلاد كان الهنداوي وأقرباؤهُ من عشيرة الخصاونة يسكنون في قرية الحصن، شمال المملكة الأردنية، وحين اشتدَّ خلافهم مع العشائر الأُخرى التي كانت تسكنُ ذات المنطقة، ومن أجل إنهاء هذا الخلاف، أصدر الوالي العثماني في نابلس بموافقة الهنداوي فَرماناً يقضي بإخراجه وأقاربهِ من الحصن، تحت شروطٍ معينةٍ اشترطها الهنداوي، ومنها أن يختار هو الموقعَ الذي يريدهُ مُلكاً له ولأقاربهِ، فاختار أراضيَ النعيّمة العذيَّة، في محافظة إربد في الجنوب الشرقي من قصبة إربد (المدينة)، لتكون مستقراً له ولعشيرتهِ؛ إذ كانت تُقدَّر مساحتها بحوالي سبعين ألف دونم.

وكان من أسباب اختيار الهنداوي لهذا الموقع وقوعُهُ على الطريق السلطاني، الذي يربطُ الجزء الشمالي من الولايات العثمانية العربية بالجزء الجنوبيِّ منها،كونهُ طريقاً للحجاج والقوافل التجارية، ولسعةِ الأراضي فيه، والتي تؤمّن دائماً "غلالاً” وفيرة.

وقد كان أوَّل عمل فكّرَ به الهنداوي هو بناء مضافة العائلة، ليستقبلَ بها الضيوف الوافدين، من الحجَّاج والتجار والبدو الرحّل، فاستقدم في عام 1875م بنّائينَ متخصصين في بناء المضافات من نابلس من آل كلبونة، أنهوا بناءَها في عام 1878م. وفي كتابه” عشائر شرقيِّ الأردن” أشار المؤرخ الدكتور رؤوف أبو جابر إلى أنَّ نهاية القرن التاسع عشر شهدت إنشاء مضافتين رئيسيتين وحيدتين في إمارة شرقيِّ الأردن، هما مضافة الهنداوي في شمال الإمارة محاطة بآلاف الدونمات من الأرض الزراعية المملوكة للهنداوي وأولاده، ومضافة أبو جابر في وسط البلاد.

بعد وفاة الهنداوي آلت مقاليدُ الأمور إلى أولاده وأحفاده، ومن بينهم سالم باشا، إذ كانت المضافة مُشرّعة الأبواب تستقبل ضيوفها من مختلف المشارب ليلاً ونهاراً، كما كان أصحابها لا يفرّقون بين قريبٍ وبعيد، فضلاً عن كونها مقاماً ومقراً لشيوخ العشائر والقبائل الذين كانوا يتباحثون في الأمور العامة، وعلى رأسها أحداث فلسطين وثورتها المتأججة؛ انطلاقاً من عمق إيمان سالم باشا الهنداوي بمجمل القضايا الوطنية والقومية.

عمل الهنداوي مع مجموعةٍ من أقرانه، من أمثال: حسين باشا الطراونة، وسليمان باشا السودي، وراشد باشا الخزاعي، وناجي باشا العزام، وخلقي باشا الشراري، وماجد باشا العدوان، ومثقال باشا الفايز، وعبد الرحمن ارشيدات، وغيرهم من الزعامات الوطنية في تلك المرحلة العصيبة، على مساندة الثورة الفلسطينية، ودعمها بالسلاح والمال والرجال، فكان أنْ أسَّسوا الحزبَ الأول في الإمارة "حزب الاستقلال الأردني” بداية عام 1921 امتداداً لحزب الاستقلال العربي في سوريا، الذي حُلَّ من قبل سلطات الانتداب الفرنسي، بعد أن أسقطوا حُكم الملك فيصل بن الحسين فيها، وقتلوا صيحته الشهيرة: "لقد طاب الموت يا عرب”، التي ذهبت أدراج الرياح.

وقد شكّل الحزب أول حكومةٍ في عهد الإمارة عام 1921 برئاسة رشيد طليع، بالرغم من معارضة الانجليز، الذين تلقّوا خبر تشكيل الحكومة من قبل الحزب كالصاعقة؛ وذلك لمعارضة الحزب ورجالاته المبدئية والعنيفة للوجود البريطانيِّ في الإمارة والمخططات والأطماع الصهيونية في فلسطين.

وفي بداية الثلاثينات، قامت سلطات الانتداب البريطاني باعتقال سالم باشا الهنداوي ورفاقه من الزعامات الوطنية، بالرغم من قربه من الأمير عبدالله بن الحسين آنذاك، وأصدروا حكم الإعدام عليه وعلى ثلاثةٍ من رفاقه من شيوخ البلاد، وأودعوهم سجن العقبة؛ تمهيداً لتنفيذ الحكم، ولَمَّا كان سالم باشا الهنداوي أصغر الزعماء سناً، وأقواهم عوداً وبأساً، فقد خطَّط وقاد عملية هروبهم من سجن العقبة والنجاة من حبل المشنقة، بمساعدة بعض زملائهم الوطنيين، إذ توجّهوا بعدها مشياً على الأقدام إلى السعودية، ولشدّة بأسه وقوة عزيمته، فقد كان سالم باشا يحمل الزعماء الآخرين على ظهرهِ، عندما كانوا يتعبون من السير، أو ينهكهم الجوع والعطش، حتى وصل بِهم برَّ الأمان، ليقيموا فيها ثلاث سنوات، كلاجئين سياسيين، بحُكم العلاقة المتوترة بين الهاشميين وآل سعود آنذاك.

واستمر ذلك النفيُ حتى أصدر الأمير عبد الله عفواً عنهم، بالرغم من معارضة الانجليز، فعاد الزعماء إلى وطنهم ليستمروا في مسيرتهم بمكافحة ومقارعة الانتداب البريطاني، والأطماع الصهيونية في فلسطين، فأصبح سالم باشا الهنداوي عضواً مؤسّساً وبارزاً في المؤتمر الوطني الأول والثاني والمجلس التشريعي السادس في المملكة.

وفضلاً عما عُرف عنه من قوميةٍ شديدة، ووطنية صادقة متجذرة وراسخة في مكنونات شخصيته، فقد اشتُهرَ عن سالم باشا الهنداوي تواضعُه الجمُّ، وكرمُهُ السخيُّ؛ إذ كانت مضافة الهنداوي ممراً ومستقراً لكلِّ الظاعنين من بلاد الشام إلى الحجاز، ومن الساحل إلى العراق وبالعكس، فكان يقوم باستقبال قوافل الراحلين، وتوفير الضيافة لهم من مسكنٍ ومأكلٍ وملبسٍ وعلى نفقته، مثلما كان يقوم بتزويدهم بالمؤن، بما يكفيهم لمتابعة مسيرهم، ومن القصائد التي كانت تُردّدُ في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في تلك المنطقة قولهم:

” يا طير يا مقبلا…قبلة دربك على نعيمة…

تلقى مضافة على يمك… حـــــلو الفرش مددوا فيها…

تلقى محمد ونس… تقول صقور يتفتلوا في مثانيها…

عمدانها بالذهب مزدانه… وخدودهم يالقناديل…

أهل الكرم والخير والجود… والوطن بالسيف حامينه…”

وفي هذه البيئة المشبَّعةِ بحبِّ الوطن والأمة، والْمُؤْمنة بحُبِّ الناس وتقديم الخير لهم، وُلِدَ ذوقان الهنداوي وتحديداً في العام ألفٍ وتسعمائةٍ وسبعةٍ وعشرين ميلادية، في منزل والده سالم باشا الهنداوي، في مضافة الهنداوي في بلدة النعيمة الواقعة بين جبال عجلون وسهول حوران. ولعل أدقَّ وصفٍ للمنطقة وطباع أهلها كان ما خَطَّهُ الهنداوي بِيَدِه:” لقد اكتسب أهلُ بلدتي النعيمة من بيئة الجبل الشَّجاعةَ والجرأةَ والاعتدادَ بالنفس، واكتسبوا من السَّهلِ البساطةَ والانفتاحَ والوضوحَ وتقبُّلَ الرأيِ الآخر”.

بعد إكمالِهِ عامَهُ الخامسَ ألحقَهُ والدُه بالكُتَّاب، فأكمل دراسته الإبتدائية في مدرسة النعيمة الوحيدة آنذاك، ليلتحق بمدرسة إربد الثانوية حتى الصف الثامن، وفي إربد، وبسبب تلقِّيهِ العلمَ والمعرفة على يد كوكبة من المعلمين الذين نبضت أرواحهم وطنيةً وقوميةً بالإضافة لكفاءتهم العلمية، بُنيت شخصية ذوقان العلمية المتميزة الأولى، بالإضافة لتأثُّره ِبِمُدرِّسيهِ ومواقفهم اتجاه قضايا الأمة، واعتماده على ذاته أكثر من السابق، فقد كان يمشي كل يوم مسافة عشرين كيلومتراً ذهاباً وإياباً بين النعيمة ومدينة إربد، يحمل كتبه وخبزه و”غموسهُ”، وكان يذاكر موادَّهُ الأدبية التي تحتاج إلى حفظٍ خلال مَسيرِهِ، ويذاكر موادَّهُ العلمية التي تحتاج للكتابة بعد عودته مساءً إلى المضافة على سراج "نمرة أربعة” معلق بجانبه على الجدار، يكسو بلورته سوادٌ من الشحار.

استمر ذوقان في مدرسة إربد الثانوية حتى الصف الثامن، وبعد إنهائه هذه المرحلة الدراسية كان الأوّلَ على صفِّهِ، وكان ذلك عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثلاثةٍ وأربعين، وبسبب تفوُّقِهِ العلميِّ استُدعيَ إلى عمان لمقابلة وزير المعارف آنذاك سمير الرفاعي، فقد كانوا ثمانية طلبة متفوقين، اثنان من كلٍّ من الشمال، والوسط والجنوب والبادية، وكان على الحكومة أن تختار اثنين منهم فقط، هما الأكثر تميّزاً وتفوقاً لابتعاثهما إلى الكلية العربية في القدس، الصرح التعليمي الأكثر تميّزاً في تلك الفترة.

وبالرغم من أنَّ أهْلَهُ نصحوهُ بعدم الذهاب إلى المقابلة، لقناعتهم باستحالة اختياره، مهما بلغ تفوُّقُهُ، في ضوء حُكم الإعدام الصادر على والده زعيم المعارضة، الذي كان مطلوباً ومنفيّاً خارج البلاد آنذاك، إلا أنّ الطالب ذوقان الهنداوي ذا الأربعة عشر ربيعاً أصرّ على الذهاب وحيداً إلى تلك المقابلة، لقناعته بتميُّزهِ وتفوُّقه العلميّ واستحقاقه للابتعاث أولاً، ولإيمانه الراسخ بأنّ الله يكتب لخلقِهِ ما يشاء، ولا يستطيع أحدٌ الاعتراض على حكمه.

ولَمَّا قابل وزير المعارف الرفاعي المرشحين كلاً على حدة، وبعد أن انتهى من الأسئلة العلمية للطالب الهنداوي سأله: "ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟!”، فأجابه على الفور وبكل كبرياء: ” أريد أن أصبح تماماً مثل أبي”، فنظر إليه الوزير- الذي كان يحمل آنذاك حقيبة وزارة الداخلية، بالإضافة للمعارف- نظرةً حادة قائلاً:”ولكنَّ أباك محكومٌ بالإعدام ومطلوبٌ إلى العدالة ومنفيٌّ..”، وقبل أن ينهي جُملَتهُ قاطَعَهُ الطالبُ المتحفز بقوله: "وَلِيَ الفخرُ أنْ أكونَ مثلَه!”، فكان أن أنصت الوزير برهةً ونظر في عينيِّ الطالب ليخبره بعدها بأنه، وعلى الرغم من كون والده سالم باشا معارضاً ومنفيّاً، وبسبب تفوقه العلميِّ، فقد وقع الاختيار عليه، وعلى الأوَّلِ في مدرسة عمان الطالب محمد نوري شفيق، لإكمال الدراسة الثانوية في الكلية العربية في القدس كمبعوثينِ على نفقة الحكومة.

وقد كان لهذه البعثة قيمة علمية كبيرة لمكانة ذلك الصرح العلميّ الكبير في المنطقة؛ إذ كانت رغبة ذوقان الأوليّة تتمثل بإكمال دراسته في مدرسة السلط الثانوية، وهي المدرسة الثانوية الوحيدة في البلاد آنذاك، التي تخرَّجَ منها معظم رجالات البلد في ذلك الزمان، ولكنْ، وعلى الرغم من تلك الرغبةِ، فَقَدْ حزمَ ذوقان أمتعتَهُ قاصداً القدس في رحلةٍ علمية جديدة.

كانت الكلية العربية لا تقبل إلا النخبة المتميزة من الأوائل، وكانت على مستوى المعاهد البريطانية الراقية، فالتحق ذوقان بها ماكثاً أربع سنوات، ليحصل خلالها على شهادَتَيْ "متريك” فلسطين و(الإنترميديت)، إضافةً إلى شهادة "متريك” لندن، بالرغم من عدم إجبار الطلبة عليها، وقد كان ذلك بتفوُّقٍ مع مرتبة الشرف.

وأثناءَ وُجودِه في القدس، وعلى الرّغمِ من تفوُّقِه العلمي، إلاَّ أنَّ معرفة فلسطين على حقيقتها بمقوِّماتها وهمومها ومشاكلها وبشكلٍ واقعيٍّ محسوسٍ كان أسمى وأغلى ما حصل عليه، كما يقول الهنداوي في مذكراته؛ إذ يُشيرُ في هذه المذكرات، التي كُتبت بخطِّ يَدِهِ، أنّهُ وأثناء تواجُدِهِ في الكليَّة عرفَ مدينة القدس بكلِّ أماكنها المقدسة، وحاراتها ودُروبها ومعالمها ومكتباتها، وأماكن الوقوف فيها، كما تعرَّف على وطنه فلسطين كلِّه من طبريا وأريحا شرقاً، إلى حيفا ويافا وعكا غرباً، ومن صفد والجليل شمالاً، وحتى غزة وبئر السبع وبيت جبرين جنوباً، كما تعرَّفَ على كيفية نِضال الشعب الفلسطينيِّ وطُرُقِهِ ضدَّ الصهيونية والانتداب البريطاني مُدركاً مدى صلابتهِ وتلاحمه.

بعد أن أنهى الهنداوي الدراسةَ في الكليّة العربية عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعةٍ وأربعين، أوفدتْهُ وزارة التربية والتعليم في بعثة دراسية مع زميلِهِ محمد نوري شفيق لدراسة التاريخ في جامعة القاهرة، التي كانت تُعرفُ باسم جامعة فؤاد الأول آنذاك، وقد كانت الجامعة الصرحَ العلميَّ الأبرز في المنطقة، ومن الأبرز في العالم. ومن خلال دراستِهِ للتاريخ تعرّفَ على ماهيَّةِ الأُمم، والتجمعات البشرية، وعلى كيفية قيام الدول في مختلف العصور، وعلى أسباب نُهوضها وازدهارها وانحدارها كما عرفَ الكثير عن طبيعة الإنسان وعن مُكوناتِه العقلية والنفسية، وهو ما جَعله مُرشداً وهادياً ومعيناً له عندما أصبح المسؤولَ الأوَّلَ عن رعاية الأجيال لفترةٍ غير قصيرة كما يُشير في مذكراته.

وفي مصر انغمسَ الهنداوي في نشاطاتٍ متنوعة متعددة، فكانت مصر آنذاك تعجُّ بالنضال ضدّ الاحتلال الانجليزي، وضدّ المعاهدة البريطانية، وضدّ الفسادِ ونظام حكم الملك فاروق، وكان شاهداً على ما يصدر عن مُفكِّري مصر وساسَتِها من مقالاتٍ وخطاباتٍ، وحريصاً على المشاركة في المظاهرات والتجمعات التي كان يخطب بها الساسة المصريون، فأُعجبَ بالزعيم الوطني مَكرم عبيد باشا، وتأثّرَ به في مهاجمتِهِ الانجليز والصهاينة ببلاغة وفصاحة، وأكثر ما لَفَتَ انتباهَ الهنداوي وأثار إعجابَه بالزعيم الوطني مكرم عبيد استشهادُه بآياتٍ قرآنيةٍ كان يحفظها عن ظهر قلب، ويستنهضُ بها الهممَ من أجل الجهاد والنضال في سبيل قضايا الأُمَّةِ والوطن، على الرغم من ديانتِه المسيحية.

كان الهنداوي حريصاً على حُضور مجالس العمالقةِ الكبارِ في مصر، أمثال الدكتور طه حسين، والاستماع والإفادة من مُحاضراتهم، وكانت خُطاه تقوده أحياناً إلى حفلات أم كلثوم وغنائها الأخّاذ، خصوصاً حينما يعلم عن حفلاتها التي تتغنى بالوطن؛ إذ تميَّزت فترة دراسته بِجَيَشان المدِّ القوميِّ، في فترةٍ كان الوطن العربي يَئنُّ من وطأة الأجنبيِّ، ويعيش تأَجُّجَ رُوح الوطنية، والتفانيَ في سبيل استقلالِهِ ومُقاومتهِ الاستعمار.

عاد الهنداوي من القاهرة إلى الوطن عام ألفٍ وتسعمئةٍ وخمسين حاملاً شهادة البكالوريوس الجامعية، فأصبح في عداد الجامعيين القلائل آنذاك، وبعد أيام من عودته ذهب إلى مكتب وزير التربية والتعليم سماحة الأستاذ محمد أمين الشنقيطي؛ ليستمع لتوجيهاته، لكنّهُ تفاجأ بِمُقابلةِ الشنقيطي وعصبيته حينما قال له إنّ في الأردن مَنفَيَيْنِ هما الكرك ومعان، وبسبب مشاركتك أنت وزميلك محمد نوري شفيق في المظاهرات والتجمعات السياسية خلال دراستك الجامعية، فإنَّ وزارة التربية والتعليم قررت "نفيك” إلى الكرك، كما قررت "نفي” محمد نوري شفيق إلي معان، وهو ما جعل الهنداوي يخرج من مكتب الوزير مندهشاً مستنكراً مفاهيمَ وزير التربية والتعليم التي تُخالف القيم والمبادئ التي نشأ عليها منذ صغره، وظلّ يرددها "بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان!”، في طابور كل صباح في ساحة المدرسة، كما كان مذهولاً جدّاً من اعتبار ذلك الجنوب الأردني العزيز منفىً، وهو المكان الذي كان القاعدة الرئيسية للفتوحات الإسلامية والْمُنطلقَ الرئيسيَّ لِمُعظم نشاطات رجال الثورة وحِراكِهم، وبِمَا يُؤكّد أنّ عشائرَ الجنوب وشُيُوخَهُ كانوا طلائع المناضلين الثائرين ضدَّ الحُكْم العثمانيِّ المستبد؛ فكيف يَعتبر وزيرُ التربية والتعليم ذلكَ الجزءَ من الوطن نفياً وعقاباً لمن يشارك في الاجتماعات السياسية العرييّة؟!.

في آواخر شهر آب عام ألفٍ وتسعمائةٍ وخمسين حزم الهنداوي ذو الثلاثة وعشرين ربيعاً أمتعتَهُ متوجهاً إلى الكرك، في رحلة استمرت اثنتي عشرة ساعة، نظراً لوعورة الطريق، حيث كان في استقباله أحدُ قُضاتها المعروفين، فرافقهُ إلى المدرسة التي كانت إضافةً لمكان عَمَلهِ مكاناً لِسَكَنهِ، فأقام الهنداوي في الكرك، ودرّس في مدرستها. وعلى الرغم من صعوبة العيش هناك بداية الأمر، إلاَّ أنَّهُ سُرعان ما تَأَقلَمَ معَ الحياة فيها بسبب الاحترام والكرم الكبيرينِ اللذينِ أبداهما له أهلُ الكرك وأولياءُ الأمور فيها، وقد أحبَّ الهنداوي أهلَ الكرك وأحبوه، خصوصاً وأنَّ الكرك كانت تَنبض بالروح القومية، فتلاقى هوى المدينة وسُكَّانها مع هوى أُستاذها الجديد، القياديِّ القوميِّ النشط، الذي كانت تشدّ خُطَبُهُ المناهضةُ للاستعمار والصهيونية والداعية للوحدة العربية أهلَ المدينة، كبيرها وصغيرها وتَجْمَعُهم حول ذلك الأستاذ الفَتِي.

استطاع الهنداوي أن يبني شبكة علاقات واسعة في الكرك مع المعلمين، وأهالي المدينة وأولياء الأمور؛ لدرجة أنَّه اعتذر عن طلب وزير التربية والتعليم معالي الأستاذ أحمد طوقان، حينما جاءهُ قرار نَقْلِهِ إلى مسقط رأسه مدينة إربد، وبعد اعتذاره عن قرار الوزير، قام الأستاذ حسني فريز مفتش المعارف بزيارة لمدرسة الكرك، وأثناء تِجْواله في صفوف المدرسة سُرَّ من مستوى الطلاب، ومن إجاباتهم، ومن الأستاذ ذوقان الهنداوي، فاصطحبهُ إلى مكتب مدير المدرسة آنذاك الأستاذ محمود سيف الدين الإيراني، فشكر الهنداوي أمام مدير المدرسة على جُهوده مع الطلاب، وطلبَ منه أن يرافقَهُ في تفتيش بقيَّة المدارس في قرى المنطقة، مشيراً إلى أنه سيطلبُ من الوزير تعيينَ الهنداوي مساعدً مفتشٍ في مركز الوزارة، حالَ عودتِه إلى عمان. تخرج على يدي الهنداوي في مدرسة الكرك العديد من الرجالات الذين تسلّموا مواقع المسؤولية في مراحل لاحقة من أصحاب الدولة والمعالي، ومنهم مضر بدران، وأخوهُ عدنان، وعلي سحيمات، وغيرهم.

بعد عام من ذلك التاريخ، نالت أصابعُ الغدر من الزعيم الوطنيِّ سالم باشا الهنداوي، حيث اغتالت جسدَهُ وغيَّبتهُ عن الحياة لإيقاف حِراكِهِ الوطنيِّ والقومي؛ مُحاوِلَةً بذلك تحقيقَ ما لم يُحقِّقْهُ حُكْمُ الإعدام عليه ونَفيُهُ، وأرادت بذلك أن تغتال رسالتَهُ الوطنية والقومية ولكنَّها فشلت؛ فقد بَكاهُ الوطن وتوشَّحتْ الدور والمباني والمحلات في مدينة إربد بالسواد. بكاهُ الملك عبد الله، وأقسمَ بأنّه سيقتلُ من قَتلَهُ، إلا أنّ القَدَرَ لم يُمهلهُ طويلاً، فتمَّ اغتيالُهُ ولحق برفيقه في القدس بعد أقل من أسبوع، وقد استوجبت كل هذه الظروف من الأستاذ الشاب ذوقان الانتقال إلى إربد؛ ليكون قريباً من عائلته، ويستمر بالإشراف على الأمور التي كان يتولاها ويديرها والدُه.

كانت الحزبية في تلك الفترة وعلى مختلف مشاربها وعقائدها القومية والإسلامية والشيوعية على أشُدِّها، وكان النشاط الحزبُّ أمراً مألوفاً ومنتشراً بين معظم الناس.كان الهنداوي في ذلك الوقت أحد قيادات حزب البعث العربي، وكان المسؤول الأول عن نشاطاته في منطقة إربد، وعلى الرغم من نشاطهِ على الساحة خارج أوقات الدراسة، إلا أنَّهُ لم يمارس العمل الحزبي داخل المدرسة وعلى الطلاب؛ انطلاقاً من إيمانه بضرورة صَوْنِ الأمانة في تعليم الطلاب، وتربيتهم وفق مناهج وزارة التربية والتعليم، دون تحيزٍ أو تعصب. نُقل الهنداوي بعدها إلى عمان، فعمل مساعداً لمفتش الوزارة، ومديراً لمكتب الوزير أحمد طوقان، الذي كَلَّفهُ بِمَهام عديدة شملتْ كلَّ أقسام الوزارة. وفي منتصف الخمسينات تم ابتعاث ذوقان الهنداوي إلى جامعة ميرلاند في الولايات المتحدة الأمريكية، فحصل على شهادة الماجستير في التربية مع مرتبة الشرف.

وبعد عودته من الولايات المتحدة الأمريكية، عمل الهنداوي مديراً لدار المعلمين في بيت حنينا في القدس مدّةَ خمس سنوات، يسكن في فلسطين بين أهلهِ الذين أحبهم وأحبوه، فأسكنوه قلوبهم وسكنوا قلبه، وكانت دار المعلمين شمال غربى القدس، وكانت تمثّلُ الخطوط الأماميةَ فى مواجهة العدوِّ الصهيونى؛ إذ قاومت هذه المنطقة وخاضت العديد من المعارك ضدَّ هذا العدوِّ، وغنمت أسلحتها من أيادى الصهاينة، وقدّمت الشهداء، ولم تسقط في يدهم حتى عام 1967.

أضاء الأستاذ بِعِلمهِ ووطنيتهِ منطقة شمال غرب القدس، ودخل فى قلوب أهالي المنطقه احتراماً وتقديراً لم ينسوه عبر تاريخهم، فقد عمل الأستاذ على تدريب طلاب الكُليَّة وتعليمهم؛ ليتخرجوا معلمين متخصصين للعمل في المدارس الريفية، بالإضافة لتأهيل الطلبة ليقوموا بتوجيه المجتمعات الريفية القريبة في ما يتعلق بأُمور معيشتهم، فطاف كلَّ قرى المنطقة من بيت حنينا وشعفاط والعال وحزما والجيب وبيت سوريك وعناتا وبيت إكسا والرام وقلنديه ومخيمها ومخماس والجيب وبيت دقو وبيت اعنان والقبيبة وقطنا والطيرة.

اتسم الزمان والمكان بالحراك الوطنيِّ والقوميّ، ونشطت الأحزاب القوميه مثل حزب البعث العربيّ الاشتراكى، والقوميين العرب، وكانت بداياتهم، والشيوعيين، والإخوان المسلمين، وكان الأستاذ ذوقان قوميَّاً بعثيَّاً، قاد هذه المنطقه وأثَّر فيها تأثيراً كبيراً، مما جعل حزب البعث حزباً قوياً بين الفلاحين والمثقفين والطلاب.

عَرفهُ كلُّ سُكَّان المنطقة صغارهم وكبارهم، فبنى مدرسةً نموذجيةً فى الأخلاق والسلوك، مما جَعَلهُ مكانَ احترام المنطقة، إذ كانت المدرسة ودار المعلمين الريفيه ملتقى الزوار من القدس والقرى المحيطة، فكان يُصلح ويحلّ المشاكل التى قد تنشأ بين الأهالي؛ لأنه كان محلّ احترام الناس بما تميَّز به من خُلُقٍ رفيع ووطنية ملحوظة، فأحبَّ ذوقان الناس وبادلوه حباً بحب. أما الهيئة التدريسيه فكانت رموزاً من الكفاءات العلميه والوطنية والقومية، فقد كانوا يشكلون مع الأستاذ ذوقان الهنداوى منظومةً رائعة من الخُلُق والتفاني لإنجاح المهمة التعليمية انضباطاً وسلوكاً، وكان لا يدخل العمل السياسيَّ إلا المجتهدون من الأساتذة، والطلابُ المتفوقون والمتميزون خُلقاً واستعداداً للنضال والالتزام.

هذه البيئة التي أوجدها "الأستاذ” كانت تربةً خصبةً لنموِّ حزب البعث، الذى أصبح مَثلاً معروفاً في المنطقة كلها، فكان هؤلاء رفاق الأستاذ في المهمة العلمية والنضاليه، قادوا مرحلةً لا تنسى في النضال العربيّ الفلسطينيّ، ووقفوا ضد الأحلاف الاستعمارية في هذه المرحلة مثل حلف بغداد، كما كانت دار المعلمين ملتقىً للوفود القادمة من سوريا ومصر والعراق والأردن، حيث كان الأساتذة والطلاب والوفود يُحيون الليالي الوحدوية بترديد الأغاني القومية، خصوصاً وقد شاركوا في التدريب العسكري إبّان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، ووقفوا مع مصر فى معاركها بقيادة عبد الناصر حيث بدأ المد القومي بعد حرب 56 وتأميم قناة السويس.

كانت الدار شعلةً قوميةً بقيادةٍ بعثيةٍ على رأسها قائد قومي هو الأستاذ ذوقان الهنداوى. وفي عام 1957 جاء الملك حسين وألقى خطاباً ثورياً في سينما الحمراء في القدس، وكان مثار اهتمام من قبل الأهل في الضفة الغربية، حتى أنّ بعض الناس وصفوه في ذلك التاريخ بأنّه بعثيٌّ، وخلال تلك الفترة، وبسبب معاصرة الهنداوي لأحداث فلسطين والتشبّع من قضيتها، ورسوخ البعد القومي العروبي في تفكيره، فقد بدأ بتأليف كتابه الأبرز "القضية الفلسطينية” وأنهاه في سنوات لاحقة.

يُعدُّ الكتابُ وثيقةً مرجعية رئيسيّةً من المراجع التي يُعتدُّ بها ويُرجع إليها عند محاولة فهم القضية بكل أبعادها فهماً جلياً وعميقاً، وكانت مرجعاً دراسياً مقرراً لطلبة الصف الثالث الثانوي منذ أواسط الستينيات وحتى أواخر التسعينيات عندما تمّ التوقف عن تدريسِهِ كأحد استحقاقات توقيع الأردن لمعاهدة السلام مع إسرائيل.

ومن مقولاتهِ الشهيرة التي أوردها في الكتاب وأصبحت تتناولها الأجيال مقولة: "وعد من لا يملك لمن لا يستحق” في وصفه لوعد وزير الخارجية البريطاني بلفور للزعيم الصهيوني روتشيلد عام 1917م، بعد تفنيده لهذا الوعد المشؤوم جملةً وتفصيلاً.

ومن أسباب هذا البطلان التي أوردها الهنداوي

أنّ فلسطين لم تكن من أملاك بريطانيا عند إعطاء الوعد؛ أي أنَّها منحت اليهود حقوقاً في بلاد ليس لهم فيها ملك أو سيادة؛ فهي قد وهبت لغيرها ما لم تكن تملكه، كما أنَّ الوعد لم يكن اتفاقاً دولياً قائماً بين دولتين، إنما كان مجرد عطف وأمنية ووعد من جانب واحد فقط، أما الشخص الذي مُنح له التصريح، اللورد روتشيلد، فلم تكن له أية صفة دولية، بل كان شخصاً عادياً من وجهاء اليهود، علاوةً على أنّ تصريح بلفور جعل اليهود هم الأصل، فتجنَّب ذِكْرَ العرب ونَعَتَهُم بـ”الطوائف غير اليهودية”، مع أنَّ عددهم كان في فلسطين حوالي 650 ألفاً عند إعطاء التصريح، بينما لم يتجاوز عدد اليهود 50 ألفاً آنذاك.

كما أنّ بلفور نفسَهُ حاول أن يتنصل فيما بعد من هذا التناقض المخزي، فاعترف بأنَّهُ كان يجهل، عندما قام بإصدار تصريحه، أنَّ فلسطين مأهولةٌ بالعرب، بل كان يعتقد أنه متى انسحب الأتراك منها خلت، وأصبحت دون أهل ولا حق لشعبٍ مُعيَّنٍ فيها؛ فيكون حينئذٍ من السهل إنشاء "الوطن القومي اليهودي” دون أن يؤدي ذلك إلى هضم حقوق شعب آخر.

ومن أسباب بطلان الوعد كما رأى الهنداوي أنَّ القانون الدوليَّ يقضي بأنه إذا وقع تضاربٌ بين اتفاقيتين دوليتين متتابعتين، فليس للاتفاق الجديد أية قيمة حقوقية ويُعتبر لاغياً ويُعمل بمضمون الاتفاق الأقدم تاريخياً؛ فقد جاء وعد بلفور بعد سبعة عشر شهراً من إعلان الشريف حسين إطلاق ثورته العربية الكبرى، التي قامت على أساس اعتراف بريطانيا باستقلال ووحدة الدول العربية وفي القلب منها فلسطين.

وبذلك يكون الوعد متضارباً مع المعاهدة الإنجليزية- العربية التي تمثّلت في مراسلات الحسين- مكماهون، والتي سبقت هذا الوعد بعام ونصف، ولهذا فإنّ الحقوق الدولية تؤيّد المعاهدة العربية الإنجليزية وتعتبر وعد بلفور لاغياً.

أما عبارة "الوطن القومي”فغامضة، ولا تفيد معنىً محدّداً في القانون الدولي، وهي ليست غير اصطلاح اخترعه الصهيونيون وثبتته بريطانيا، هذا إذا ما علمنا أنّ اليهود لا يملكون خصائص الأمة ذات القومية المتميزة، باستثناء الدين الذي يشتركون فيه، وشتّان ما بين الدين والقومية، كما يرى الهنداوي الذي وجد أنّ وعد بلفور لم يُراعِ مبدأ حقِّ تقرير المصير الذي ادَّعى الحلفاء أنهم كانوا يحاربون من أجله، والذي أقرّتهُ عصبة الأمم المتحدة وجعلته مبدأً من مبادئها الأساسية. وهكذا، فقد تخلّد اسم "الأستاذ” على صفحات هذا الوطن؛ فقد أحبَّ فلسطين والأمة العربيّة، وكان نموذجاً للخلق والشهامة والأصالة.

أثناء تواجده في بيت حنينا، وصل خبرٌ إلى ذوقان من قبل مختار إحدى القرى مفاده أنّ الدولة تنوي اعتقاله على خلفية الأحداث السياسية، التي كان الأردنُّ يمر بها، وهي ما عرفت بأحداث "الضباط الأحرار” نهاية الخمسينيات من القرن العشرين، إذ اجتمع أهل القرية الذين علموا بالأمر فأخبروه به، ووضعوا كل إمكاناتهم لتجنّب عملية الاعتقال.

عرض الأهالي على ذوقان الهروب إلى سوريا، مؤكِّدين تأمين الطريق له، وقد كان اللجوء إلى سوريا في تلك الحقبة شائعاً، لكنّ ذوقان رفض العرض، فطلب الأهالي منه أن يصطحبوه إلى مخبأ آمن لا يعلم مكانه أحد، فوافق على ذلك، فأنزلوه في القبيبة ثلاثة أيّام، ولم يكن يتردد عليه سوى شخص واحد وسيط.

بعد ذلك ذهب الهنداوي إلى عمان، وقام بتسليم نفسه، فأُدخل سجن المخابرات في العبدلي وقضى فيه ثلاثةً وتسعين يوماً، وقد كانت أيّام السجن عصيبةً عليه في بادئها؛ إذ وُضع في زنزانة منفردة ضيِّقة مُدَّة شهرٍ كامل تحت ظروف منهكة للأعصاب منها بقاء الكهرباء مضاءةً طوال الليل، واستدعاء السجناء للتحقيق معهم بعد منتصف الليل، وليس خلال ساعات النهار، لكنّ نتيجة التحقيق فيما بعد أثبتت عدم صحة التهم الموجَّهة إليه؛ فتمَّ نقله إلى زنزانة أكبر من سابقتها، فيها عددٌ من أصدقائه ليتفاجأَ بوجود شقيقه الأكبر بين المعتقلين.

وُجِّهتْ لذوقان تُهمٌ ثبتَ عدمُ صحّتها فيما بعد، وأبرزها أنَّه كان عضواً ناشطاً في جماعة "الضباط الأحرار”، وأنّه كان ضابط الارتباط بينهم، بِحُكم موقع دار المعلمين الريفية التي كان يرأسها، كما طُلبَ منه أن يذكر أسماء رفاقِهِ في قيادة حزب البعث المشاركين في تلك الأحداث، وفي كافة المستويات التنظيميَّة، وخصوصاً الدُّنيا منها، لكنه أعلمهم أنه كان من فئة القيادة العليا لحزب البعث والمؤلفة من عبدالله الريماوي وعبدالله نعواس ومنيف الرزاز وأمين شقير وسليمان الحديدي، حيث كان يعلم أنهم معروفون مسبقاً لدى الجهات الأمنية، وأنهم جميعاً آمنون خارج الأردن لاجئون في سوريا، وبعد ثلاثة أشهر من الاعتقال، أُفرج عنه.

في عام ألفٍ وتسعمئةٍ واثنين وستين عُيِّنَ الهنداوي مديراً لدائرة الشؤون الاجتماعية في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينين، مما ساهم في توطيد وتجذير علاقته مع الأهل في فلسطين، وتشبُّعِهِ بقضيّتهم العادلة، فسنوات الدراسة والعمل في فلسطين كلها، فضلاً عن الخلفية العائلية القومية، ساهمت في صقل شخصيتهِ وتكوين منظومته من المباديء والأخلاقيات. بعدها، وفي عام ألفٍ وتسعمئةٍ وأربعةٍ وستين، عُيّنَ الهنداوي مُلحَقاً ثقافياً في القاهرة، ليعود في العام ذاتهِ إلى عمان، ويشغل موقع وكيل وزارة الإعلام.

وفي عام ألفٍ وتسعمائةٍ وخمسةٍ وستين استدعاه رئيس الوزراء المكلف وصفي التل وقال له:”أنا لا أعرفك شخصيَّاً يا أستاذ ذوقان، ولكنِّي أعرف عنك الشيء الكثير، وعندما كلَّفني جلالة الملك بتشكيل الحكومة قُمْتُ بوضع مجموعة من الأسس والمعايير التي أريد اختيار وزرائي على أساسها، وهي النزاهة والاستقامةُ، وحُبُّ الوطن والولاء والانتماء له، وحبُّ الناس وخدمتهم، والجرأةُ والشجاعةُ، والكفاءةُ والاقتدارُ، ومما أسمعه وأعرفه عنك فإنِّي أراها جميعاً مجتمعةً فيك”، ولذلك فقد اختار وصفي التل ذوقان الهنداوي ليشغل معهُ منصب وزير الإعلام، وكان الهنداوي في الثامنة والثلاثين من العمر؛ ليكون بذلك أصغرَ وزيرٍ في تاريخ الحكومات الأردنية آنذاك؛ إذ لم يكن معلوماً أو مألوفاً حينها أن يأتي وزيرٌ في هذا العمر، حيث كان باقي أعضاء الحكومة في العقد الخامس أو السادس من العمر.

ارتبط التل والهنداوي بعدها بعلاقة صداقةٍ وثيقةٍ ومتينة، لكنَّ الهنداوي، وبعد توليه وزارة الإعلام بأشهر قليلة، تعرَّض لحادث سيرٍ مروِّع في منطقة ثغرة عصفور أثناء عودته من إربد إلى عمان، فأُدخل المستشفى في رحلة علاج استمرت ستة أشهر، كانت الثلاثة أشهر الأولى منها صعبةً للغاية، حيث كان مُمَدَّداً خلالها على ظهره، ولا يقوى على الحراك، وكان التل يَعوده يوميّاً في المستشفى، بل وأمر بإحضار أمهر الأطباء من ألمانيا لعلاجهِ، وأثناء تواجده في المستشفى أجرى التل تعديلاً وزارياً على حكومته، وعيَّن ذوقان وزيراً للتربية والتعليم، وهو ما يزال بعد على سرير الشفاء، لا يقوى على الحراك، فكان أن تولى الهنداوي حقيبة التربية والتعليم أربع عشرة مرة في الفترة الممتدة بين عامي ألفٍ وتسعمائةٍ وخمسةٍ وستين وحتى العام ألفٍ وتسعمائةٍ وثلاثةٍ وتسعين، وكان الهمُّ الشاغل له طوال تلك الفترة وجوب الارتقاء وتطوير قطاع التربية والتعليم الذي كان في بداية نشوئهِ وتكوينهِ، تطويراً شمولياً وجذرياً، فكانت له عدة استراتيجيات وسياسات جوهرية ومبادرات وإنجازات أسهمت في تطوير مسيرة التعليم في الأردن، وبالتالي المساهمة في النهضة الاجتماعية والاقتصادية الشمولية في المملكة.

اتخذ الهنداوي قراراً في منتصف الستينات، عندما كان عدد المدارس في المملكة محدوداً جداً، بوجوب فتح صفٍّ أو مدرسةٍ لكلِّ تجمّعٍ سكانيٍّ مكوّنٍ من عشرة طلاب أو أكثر، فكانت النتيجة أن أصبح في كل حي من أحياء المدن وفي كل قرية وكل مضرب من مضارب البادية والريف مدرسة أساسية واحدة أو أكثر، فأصبح التعليم متاحاً للجميع على مختلف طبقاتهم.

وفي بداية السبعينيات اتخذ الهنداوي قراراً بوجوب تطوير نوعية التعليم، بحيث أصبح التعليم لا يقتصر على التعليم الأكاديميِّ فَحَسْب، بل تشعَّبتْ مناهجُهُ وبرامجُهُ لتشمل جميع أنواع المهارات والمعرفة المهنية.

كان الامتحان العام في نهاية المرحلة الإعدادية ليس ذا قيمةٍ مضافةٍ تُذكر، وكان يُشكِّل عائقاً رئيسيَّاً أمام انتقال الطلاب إلى المراحل الدراسية الثانوية بتفرعاتها المختلفة العلمية والأدبية والمهنية، فاتخذ الهنداوي قراراً بإلغاء ذلك الامتحان، مما فتح المجال للطلاب على مختلف مستوياتهم للتقدُّم في دراساتهم وتنويعها.

وأثناء تولّيه منصب وزير التربية والتعليم ركّز الهنداوي على المعلم، فعمل على إقناع مجلس الوزراء بسنِّ نظامٍ خاصٍ على غرار نظام علاوات الأطباء والمهندسين؛ لأنَّ رواتب المعلمين لم يكن ينالها التحسُّنُ المرضيُّ، وبَعدَ سنِّ هذا النظام تعدَّدت فئات المعلمين الذين يُمنحون علاواتٍ خاصةً، بحيث شملت جميع المعلمين. كانت تلك العلاوات قد شملت علاوات المكان النائي، ومعلم الصفِّ الواحد، والإدارة والتخصص الواسع، وذلك من أجل أن تشمل معظم المعلمين، ولا تقتصر على فئةٍ ضيقةٍ منهم، وقد نالت هذه العلاوات الشمولية تقدير كلِّ المعلمين في المملكة، وساهمت بتحقيق رضاهم، وبالتالي تحفيزهم والارتقاء بأدائهم تجاه طلابهم.

كانت المباني المدرسية في ذلك الوقت مبانيَ متواضعةً فقيرة، لا تستحق أن تُسمَّى مدارس بمجملها، وقد استطاع الهنداوي أن يحصل على منحٍ ضخمةٍ وقروضٍ ميسّرةٍ من دول مانحة وتجمعات بنكيّة وعلى مرِّ عقود لبناء المدارس والمرافق الحديثة في مختلف أنحاء المملكة، وخصوصاً في قراها وأريافها وباديتها، بحيث أصبح لكلِّ تجمعٍ سكانيٍّ فيه أكثر من عشرة طلاب مدرسة خاصة بهم. هذه النهضة التعليمية الهائلة التي تمكنت المؤسسة التربوية والتعليمية بكلّ العاملين فيها من تحقيقها وعبر ثلاثة عقود من الزمن منذ أواسط الستينيات وحتى أواسط التسعينيات ساهمت وبشكل كبير في الارتقاء بأداء هذا القطاع ليصبح الأردنُّ في طليعة دول العالم من حيث عدد المتعلمين نسبةً لعدد السكان والأوّل عليها في العديد من المؤشرات التربوية والتعليمية فيما يتعلق بمستوى التعليم ونوعيته في التخصصات المختلفة.

أسهمت تلك القفزة التعليمية في بلد محدود الموارد وبشكل كبير في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة، علاوةً على أنَّ الأعداد الكبيرة من التربويين والمعلمين الذين تم ابتعاثهم للعديد من الدول العربية الشقيقة خلال تلك الفترة، وتحديداً إلى دول الخليج العربي، أسهمتْ مساهمةً مباشرة وفاعلة في إحداث نهضة تعليمية في تلك الدول لتصل إلى ما وصلت إليه من حضارة وازدهار. ويشهد العالم بأَسْرهِ لكفاءة العاملين الأردنيين واقتدارهم، الذين كانوا يعملون في شتى أصقاع المعمورة، بفضل الجهود الدؤوبة والمضنية والمتواصلة التي بذلها الهنداوي ورفاقه في القطاع التربويّ على مرِّ عقود.

خدم الهنداوي سفيراً فوق العادة في دول عربية مهمّة، وفي مراحل حرجة من تاريخ الوطن والأمة، حيث خدم في الكويت عام 1971 بعد أحداث أيلول المؤسفة، وهي البلد ذات الجالية الأردنية الأكبر من أصول فلسطينية، حيث استقبلتْهُ بالترحاب لما عُرف عن قوميته وعشقه للقضية الفلسطينية. كما خدم سفيراً فوق العادة في جمهورية مصر العربية عام 1977 قُبيل توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، حيث أشارت مخاطباته للقيادة الأردنية آنذاك إلى اتصالاتِهِ مع المسؤولين المصريين، وشعوره بوجود توجّهٍ لدى القيادة المصرية بهذا الشأن، ومن جُمَلِه الشهيرة التي قالها في مطار عمان الدولي، بعد عودته إثر قطع العلاقات الأردنية المصرية بعد توقيع معاهدة السلام: "إنه لمن المؤسف أن تودعَ أمّ العروبة سفراء أخوتها لتستقبل سفير أعدائها!”.

أمَّا الحكومات التي شغل فيها ذوقان الهنداوي الوزارة على مدى ثلاثة عقود فكانت: حكومة وصفي التل، إذ شغل فيها وزارتي الإعلام والتربية والتعليم، وحكومة الشريف حسين بن ناصر الثانية، وشغل فيها منصب وزير التربية والتعليم والشؤون الاجتماعية، وحكومة سعد جمعة الأولى والثانية وشغل فيها وزارة التربية والتعليم،كما شغل المنصب نفسه في حكومة عبد المنعم الرفاعي، وحكومة بهجت التلهوني الخامسة والسادسة وحكومة عبد المنعم الرفاعي الثانية، وحكومة زيد الرفاعي الثانية والثالثة، وحكومة مضر بدران الأولى والرابعة، وحكومة زيد الرفاعي الخامسة، وحكومة الشريف زيد بن شاكر الثانية وحكومة الدكتور عبد السلام المجالي الثانية. كما شغل منصب وزير الدولة لشؤون رئاسة الوزراء ووزارة المالية في حكومة زيد الرفاعي الأولى ونائباً لرئيس الوزراء في حكومة الشريف زيد بن شاكر الثانية ، ونائباً لرئيس الوزراء في حكومة الدكتور عبد السلام المجالي الثانية.

مَثَّلَ الهنداوي الأردن في كثير من المحافل الدولية، ومنها مشاركته الفاعلة في فعاليات منظمة اليونسكو انطلاقاً من مكانته التربوية الرفيعة، ورغم إشادته بما حققته المنظمة في ذلك الوقت من إنجاز، إلا أنَّهُ قدَّمَ الكثير من الملاحظات حول أدائها وخططها، مشيراً إلى ضرورة تَحَمُّل المنظمة الدولية مسؤوليتها في المحافظة على الأماكن المقدسة، والتراثين الإسلامي والمسيحيِّ في القدس المحتلة ضدَّ حملة الاستيطان والتهويد التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، كما كان يطالب بالتركيز على الجانب الإبداعي في العملية التربوية، والتركيز على الجوانب الاجتماعية، هذا بالإضافة إلى عضوية الهنداوي في مجمع اللغة العربية والهيئة الإدارية للموسوعة الفلسطينية.

في عام 1986 اندلعت أحداث كانت هي الأولى من نوعها في المملكة، انتفاضة مجموعة كبيرة من طلبة جامعة اليرموك تلاها دخول لقوات الأمن إلى الحرم الجامعي، ووفاة ثلاثة من الطلبة، وكان الحادث غريباً على المجتمع الأردني وله أثرٌ سلبي ٌّكبيرٌ داخل المملكة وخارجها، وقُوبل بامتعاضٍ واستنكارٍ وانتقادٍ شعبيٍّ ودوليٍّ واسِعَيْنِ، وكان لا بُدَّ من إجراء تحقيقٍ موسَّعٍ ذي مصداقية يوضّح الحقائق كما هي دون تجميل، وفي الوقت نفسهِ يحظى بثقة الشعب، وبالتالي يُسهم في تهدئة الحنق الشعبيِّ عمَّا جرى.

تم اختيار الهنداوي لرئاسة لجنة التحقيق في أحداث جامعة اليرموك، لِمَا عُرف عنه من مصداقيةٍ وموضوعيةٍ ونَيْلهِ لثقة الشعب، وقد حققت اللجنة في الأحداث بكلِّ تفصيلاتها وقابلت كلَّ من كان له علاقة بالموضوع سواءً من إدارة الجامعة أو الطلبة المتظاهرين أو قوات الأمن، وخرجت بتقريرٍ شجاعٍ ومتوازنٍ حمَّلَ المسؤولية لكلِّ طرفٍ ساهم في الحدث، إذ حمَّلها لإدارة الجامعة، لعدم قدرتها على إدارة طلبتها، وإغلاق الأبواب أمامهم، وعدم الاستماع والاستجابة لطلباتهم المشروعة قبل انتفاضتهم، كما حمَّلها لقوات الأمن لدخولها الحرم الجامعيِّ، واستخدامها القوة الْمُفرطة، ووضعها اللوم أيضاً على مجموعةٍ من الطلبة الذين قاموا بتَجْييشِ باقي زملائهم وتشجيعهم على الشغب، وتخريب ممتلكات الجامعة، والعنف اتجاه قوات الأمن.

لاقى تقرير اللجنة برئاسة الهنداوي استحساناً شعبياً واسعاً لموضوعيتهِ وتوازُنهِ، وبناءً على توصيات اللجنة، قامت الحكومة باتخاذ إجراءاتٍ فوريَّةً وحازمةً بحقِّ كلّ المقصِّرين والمساهمين في الأحداث بشكلٍ مباشرٍ وغير مباشر، مما ساهم في إنهاء حالة الاحتقان الشعبي.

وفي عام 1989 اندلعَ ما عُرف بـ”هبة نيسان”، وهي ثورة شعبية ابتدأت في معان جنوب المملكة وامتدّتْ لعدَّة مدنٍ أخرى، وكانت السياسات الاقتصادية ورفع أسعار المحروقات سببها الرئيس، وقد كان جلالة المغفور له الحسين بن طلال طيَّبَ الله ثراه، ورئيس الحكومة آنذاك زيد الرفاعي خارج المملكة في زيارة رسمية، فقاد الهنداوي الذي كان يشغل رئيس الوزراء بالوكالة إدارة الأزمة، فذهب إلى الجنوب واستقرَّ فيه طوال فترة الأزمة، وقابل شيوخ العشائر والوجهاء والناشطين فيها، ونجح في تهدئة الوضع لما له من احترامٍ وتقديرٍ من قِبَلِهم، فهدأت الأمور وعادت المياه إلى مجاريها.

قدّر المغفورُ له الحسينُ طيّب الله ثراه ما فعله الهنداوي في المحافظة على أمن الوطن واستقراره، فأقالَ فَوْرَ عودتِهِ حكومةَ الرفاعي وبأسلوبٍ عنيفٍ وغير مألوف، وعَيَّنَ الهنداوي رئيساً للديوان الملكي الهاشمي العامر؛ تقديراً لإنجازاته الكثيرة في بناء الوطن على مرّ عقود، ولإدارتهِ الناجعة لأزمة الجنوب على وجه الخصوص، بالإضافة للثقة الشعبية بهِ، ولِمَا عُرف عنه من اهتمامٍ كبيرٍ بمساعدة الناس وإيصال همومهم وشكاواهم.

كان العنوان الرئيس للمرحلة التي ترأس فيها الهنداوي الديوان الملكي الهاشمي العامر هو إعادة إحياء الحياة النيابية وإجراء الانتخابات، بعد توقُّفٍ دامَ أكثر من عشرين عاماً إثر نكبة 1967، وقد أجرى المغفور له الحسين اجتماعاً ضمّ رئيس الوزراء الأمير زيد بن شاكر ورئيس الديوان الملكي الهنداوي ووزير الداخلية سالم مساعدة ورئيس المخابرات العامة، وكان موضوع الاجتماع مناقشة قانون الانتخاب، فقد كان هناك توجُّهٌ من بعض الحضور إلى تفعيل المادة 18 من القانون والتي تحظر على أيِّ منتسبٍ للأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات، وقد طلب المغفور له الاستماع لرأي الهنداوي الذي عارض بشدةٍ هذا التوجّه، موضّحاً أنّ المرحلة مفصلية وحسّاسة في تاريخ الوطن، ويجب أن تُدار وتنفّذ بالشكل الصحيح ووفق الأسس والمعايير التي تضمن القبول والمشاركة الشعبية، وإلا فقدت العملية برمتها مصداقيتها وفشلت في تحقيق الأهداف المرجوة منها، فضلاً عن أنّ الأحزاب السياسية من أقصى الطيف السياسيِّ إلى أقصاها ومنتسبيها إنما هم جزءٌ من النسيج الوطني، يحق لهم المشاركة كغيرهم من أبناء الوطن.

تبنّى الحسين رأي الهنداوي وأصدر إرادته بتجميد العمل بالمادة 18، وأن يُسمح لأيِّ أردنيٍّ، بغض النظر عن توجهاته أو انتماءاته السياسية أو الحزبية، المشاركة فيها، فأجريت الانتخابات، ولاقت قبولاً وطنياً ودولياً واسعاً، وكانت عنواناً في النزاهة يُستشهد فيها حتى يومنا هذا.

كانت علاقة المغفور له الحسين مع الهنداوي عميقةً تعود لعقود مضت عندما كانا في مقتبل العمر، ولكنَّها توطّدتْ وتجذَّرت خلال فترة عمل الهنداوي رئيساً للديوان الملكي العامر بحكم قربهما وتواصلهما والتقائهما اليوميّ لمناقشة أمور الوطن، ومرافقة الهنداوي للمغفور له في كلِّ جولاته واجتماعاته الدولية الخارجية آنذاك ومنها مشاركته في الوفد الأردني الذي ترأسهُ جلالة المغفور له الحسين في قمة التعاون العربي التي ضمّت مصر والعراق واليمن إضافةً للأردن.

قناعة الهنداوي بأهمية المرحلة وحساسيِّتها دفَعتْهُ لرفع استقالته لجلالة الملك ليترك رئاسةَ الديوان الملكيِّ حتى يخوض الانتخابات النيابية العامة، ويُمثِّلَ الوطن والشعب في المجلس النيابي الحادي عشر خير تمثيل، وقد قبل جلالة الملك الحسين استقالة الهنداوي، ووجَّهَ له رسالةً مُثمناً خصائله الحميدة وصدقهُ واستقامته ونزاهته، وعمله المخلص والدؤوب وإنجازاته الوطنية على مر عقود.

خاض الهنداوي غمار الانتخابات النيابية عام 1989، وهي الانتخابات التي عُرفت بنزاهتها وشفافيّتها، واستطاع العديد من التيارات السياسية الوصول إلى قبة البرلمان، وقد كان النجاح حليفاً لذوقان الهنداوي، فأصبح عضواً في المجلس النيابيِّ الحادي عشر، الذي جاء بعد انقطاعٍ نيابيٍّ دام أكثر من عشرين عاماً.

كان أداء الهنداوي في المجلس متميزاً ومثَّلَ وطنه وشعبَهُ خير تمثيل، كما كان يحظى بالاحترام والتقدير الكبيرين، ويتميز بالرأي الأرجح، وكان يُنظر له كشيخ النواب وعميدهم، إذ كان مُسلَّحاً بعلمٍ ومعرفةٍ وخبرةٍ لا يوازيها مثيلٌ داخل المجلس أو الحكومة على حدٍّ سواء. كان الشعب وبقية النواب والحكومة ينتظرون كلماته ومواقفه. فعندما كان يتحدث، كان الجميع ينصتُ وينتظر ما سيقول، وما سيكون موقفه من القضايا المطروحة، ويُسجّل له التاريخ العديد من المواقف الوطنية المشهودة، منها حجبهُ المعلَن للثقة عن حكومة مضر بدران، وهو ما لاقى استحساناً وتقديراً لدى قطاعاتٍ واسعة من الشعب.

انتقد الهنداوي، في كلمته الشهيرة التي ألقاها تحت القبة، الحكومةَ على عدم إفصاحها عن أرقام المديونية الخارجية في البيان الوزاري، حتى يتسنى لزملائه وللشعب الاطلاع على الواقع الاقتصادي الهشِّ للدولة، فقد أراد الهنداوي في كلمته أن يكشف خطأ السياسة الحكومية، التي تعتمد على القروض ورفع الأسعار بشكلٍ أساسيٍّ لحلّ المشاكل الاقتصادية، منتقداً توسُّعَ برنامجها في الاستدانة لحلِّ كل ذلك، ولقناعات الهنداوي بعدم قدرة الحكومة على النهوض بمسؤوليتها في حل المشاكل التي يعاني منها الوطن، فقد حجب ثقته عن تلك الحكومة، وهو الذي جمع أثناء تواجده في هذا المجلس بين النيابة والوزارة، فكان نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للتربية والتعليم في حكومة الأمير زيد بن شاكر.

في أواسط التسعينيات كلَّف المغفور له الحسين الوزير السابق ورئيس الوفد الأردني المفاوض مع إسرائيل، الدكتور عبد السلام المجالي بتشكيل الحكومة الأردنية، وكان جلياً بأنّ الأمور تسير باتجاه توقيع معاهدة سلامٍ أردنيةٍ إسرائيلية. احتاجت الحكومة لحدٍّ مقبولٍ من الثقة الشعبية؛ لتمكينها من القيام بذلك، فعرض المجالي على الهنداوي؛ إذ كانت تربطهما علاقة زمالة قوية تعود لأواخر الستينيات، الدخول في الحكومة كنائب للرئيس مُلحّاً في طلبه، لكن الهنداوي اعتذر بسبب رؤيته إلى ما ستؤول إليه الأمور، وعدم قناعته بجدوى وصحة النهج والطريق، فمضى المجالي بتشكيل حكومته، فواجهت الحكومة المشاكل لشهور، فأراد تعديلها بأن أعاد العرض على الهنداوي بشيءٍ من الإلحاح، لكنّ الهنداوي أعاد الاعتذار والتشدُّد في هذا الأمر.

في حزيران عام 1994 ونتيجةً لتدخلٍ مباشرٍ من جلالة المغفور له الحسين، امتثل الهنداوي للرغبة الملكية السامية، وشارك في الحكومة كنائب للرئيس، بالرغم من عدم قناعته وشعوره بالضيق الكبير من المشاركة بهذه الحكومة والتي نظر لها البعض بأنها أصبحت برأسين، أحدهما للخارج والآخر للداخل. وبعد أربعة أشهر من دخوله الوزارة، وقّعت الحكومة الأردنية مع إسرائيل وبشكلٍ مفاجيء معاهدة سلام عُرفت باسم اتفاقية وادي عربة، وكان ذلك في شهر أكتوبر، أي بعد حوالي سنة وشهر من توقيع السلطة الفلسطينية لاتفاقية أوسلو مع إسرائيل، وهو ما وجده الهنداوي غير مقبول ومخالفاً لقناعاته المبدئية حول الصراع العربي الإسرائيليّ، وخصوصاً في ضوء عدم إعادة الحق الفلسطيني كاملاً لأهله في الأرض والسيادة واللاجئين والقدس، على الرغم من توقيع السلطة الفلسطينية لاتفاق أوسلو، وهو ما شكّل من منظور الهنداوي بدايةً لطريق طويل شائك، وليس نهاية له بما يبرر اتفاقية السلام الأردنية.

أثناء مناقشة دارت في مجلس الوزراء حول معاهدة وادي عربة، وتحديداً في الثالث من كانون الأول عام أربعةٍ وتسعين وتسعمائةٍ وألف، اختلف الوزراء في نقاشهم حولها، إذ أكّد الهنداوي ضرورة اطّلاع المجلس والوزراء على كلِّ الحقائق قبل توقيع المعاهدة، وعدم تقبّلِ الظروف الضبابية الملتبسة التي تخللت توقيع المعاهدة، وتَكتُّمِ قيادة الحكومة على بعض تفاصيلها، ورأى الهنداوي أنّ الحكومة "وعدت الشعب بالسمن والعسل، فأين هو هذا السمن، وهذا العسل؟!”، خصوصاً في ضوء النتائج المخيِّبة للآمال لزيارة الوفد الاقتصادي برئاسة الأمير الحسن للاتحاد الأوروبي، فكأنما أعطى الأردن كل شيء مقابل القليل القليل، وعلى ضوء تلك المناقشات وجد الهنداوي نفسه غير قادرٍ على الاستمرار بالمشاركة في الحُكم، فقدّم استقالته شديدة اللهجة بعد انتهاء الجلسة، والتي عزاها إلى "ضبابية النهج” و”عَبثيّة الحكم” وأرسلها للرئيس عن طريق الفاكس.

كان دويُّ استقالة الهنداوي عالياً وشكّل حرجاً كبيراً للحكومة، لأسباب عدة، أبرزها أنها جاءت في وقتٍ كان الغضب الشعبي في أَوَجِهِ، بسبب توقيع اتفافية وادي عربة، وبسبب موقع الهنداوي المهمّ فيها والتخوف من تقديم استقالاتٍ أخرى من قِبل بعض وزرائها، وقد تناولت الصحافة خبر استقالة الهنداوي بشكل واسع، معتبرة تلك الخطوة إيذاناً برحيل الحكومة.

استمر الهنداوي في عمله عضواً في مجلس الأعيان ونائباً لرئيسه ومقرراً للجنة الشؤون الخارجية حتى عام 2001، وكان مرجعاً معرفياً وقانونياً يُعتدُّ به ويُؤخذ برأيه ومشورته ونُصحهِ عند مناقشة مشاريع القوانين، وخصوصاً الحسَّاس والخلافيّ منها على المستوى الوطني والخارجي على حدٍّ سواء.

تقلَّدَ الهنداوي الكثير من الأوسمة الرفيعة تقديراً لجهودهِ التي بَذلها في خدمة وطنه وأمته، منها: وسام الكوكب الأردني من الدرجة الأولى، ووسام التربية الممتاز، ووسام الاستقلال الأردنيِّ، ووسام الحسين بن علي، ووشاح الملك عبدالعزيز آل سعود من المملكة العريبة السعودية، ووسام الجمهورية من الدرجة الأولى من جمهورية مصر العربية، ووسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة من الجمهورية العربية السورية، ووسام الجمهورية التونسية من الصنف الأول من جمهورية تونس، وأوسمة أخرى رفيعة المستوى من كلٍّ من ألمانيا وفرنسا واليونان والباكستان والفاتيكان.

كان الهندواي بشوشاً دائماً، لا تفارق الابتسامة مُحيَّاه، مهما كانت الظروف، ومهما كانت الصعاب، إلا أنَّ هذه الابتسامة خَبَتْ، ولم يستطع أن يحتبس دمعه الحزن في المآقي عند وفاة قائدِهِ ورفيقِ دربهِ الحسين العظيم عام 1999م، فقد أَمَّ الديوانَ الملكيَّ الآلافُ من الملوك والرؤساء والأمراء والوفود الرسمية والشعبية للمشاركة في مراسم تشييع جثمان الراحل الكبير، وعلى رأسهم جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وسموّ الأمير محمد، وسموّ الأمير الحسن، ووقفوا جميعاً ليلقوا نظرة الوداع الأخيرة على الراحل العظيم، فكانت لقطةً أبلغ من ألف كلمة.

وعلى الرغم من كثرة الألقاب التي حملها في حياته المعطاءة بعد أن تبوّأَ العديد من المناصب الرفيعة، إلاّ أنَّ لقب "الأستاذ” كان الأقرب إلى نفسه والأحب إليها، كما كانت إنسانيتهُ وتواضعُهُ وحُبّهُ الجمُّ والصادق للناس وخدمتهُ لهم هي أبرز ما يميِّزه من خصال.

كان الأستاذ ذوقان الهنداوي ربيعاً لليتامى وعصمةً للأردنيات، والقصص والشواهد على ذلك كثيرة وكثيرة وعلى مر عقودٍ من الزمن، واحدة منها كانت شهادةً حيَّةً أدلتْ بها الحاجة تمام الزيود ” أم محمد” من سكان بطيمة في محافظة المفرق، إذ تقول: "في عام 1969م نجح ابني أحمد عواد الزيود في الثانوية العامة – الفرع العلمي، وكان مُصرّاً على الدراسة خارج البلاد لا داخلها، لكنّ ظروفنا المادية كانت مثل باقي الأردنيين الفقراء، لا تسمح بالدراسة لا داخل البلاد ولا خارجها، وأنا أرملة، توفي أبو الأولاد وتركني وأطفالي لله، ويا نعم بالله! كنّا نعاني شَظَف الحياة، ورِزْقُنا (يوم بيوم)، نعتاش من بضعة شياة عجاف، وقد شمَّرتُ عن ساعد الجدِّ لتربية أطفالي، فأدخلتهم المدارس جميعهم ولقبوني أهل أم بطيمة بـ”الحوتة”، وهذا المهندس ابني أحمد الذي أسرد قصته عليكم، حاولت مرات ومرات أن أقنعه بالدراسة داخل البلاد وأشرح له ظروفنا المادية الصعبة ولم يستجب، حتى كاد الوقت يمضي، فضاقت الدنيا في عَيني، و(احتار دليلي)، فقصدتُ بعض الوجهاء والشيوخ، ولم أجد عندهم أية مساعدة واعتذروا لي بشتّى الأعذار، واستمرَّ أحمد في عناده، ولم أستطع ثنيَهُ عن رغبته بالدراسة في الخارج ، فأشار عليَّ بعضُ أهل الصلاح أن أذهب إلى الأستاذ ذوقان الهنداوي "أبو محمد”، فحزمتُ أمري بالذهاب من قريتي أم بطيمة الواقعة بين المفرق وجرش إلى العاصمة عمان إلى بيت "أبو محمد”، ووصلته مبكراً قبل أن يغادره إلى الوزارة، حيث كان وزيراً للتربية والتعليم آنذاك، وكان برفقتي ولدي الصغير جهاد، وهو الآن معلم كيمياء في مدارس وزارة التربية والتعليم.

استُقبلنا استقبالاً طيباً للغاية، وانتظرتُ قليلاً في مضافة المنزل، وما هي إلا لحظات حتى كان معالي "أبو محمد” يخرج علينا بهيبتهِ المعروفة، هيبةِ الشيوخ، رجلٌ كريمٌ أبيٌّ وضيءُ الوجه، طيِّبُ القَسَماتِ بشوشٌ، فرحَّب بنا أجمل ترحيب، وقال لي: أنتِ أختي في الله، وهذا أحمد مثل أولادي، ولن أقصِّر معه إن شاء الله في شيء أستطيعه على الرغم من استنفاد البعثات الدراسية الخارجية؛ لأن الوقت متأخرٌ وقد بدأت الدراسة في الجامعات.

قام معالي "أبو محمد” بكتابة رسالة إلى مسؤول البعثات الخارجية في الوزارة، وطلب من السائق أن يوصلني إلى الوزارة؛ لأنه سيذهب إلى مكان آخر، ووصلت الوزارة في بداية الدوام، ودخلت على الشخص المعني، فقرأ الرسالة ، وقال لي : أهلاً بالحامل والمحمول، وقال انتظري الخبر بُعَيْدِ الظهر، فعسى الله أن يأتي بالفرج القريب!، فذهب كما علمت لزيارة سفارات بعض الدول الصديقة، التي لها علاقات ثقافية مع الأردن طالباً مزيداً من البعثات الدراسية بأمرٍ من الوزير، بالرغم من تأخر الوقت وبدء الدراسة الفعلية في الجامعات.

قُبَيْل الظهر عاد إلى المكتب وقابلني وقال: أبشري بالخير! وكَلَّم بعد ذلك معالي الأستاذ ذوقان، وأخبره بتحصيلهِ بعثةً دراسيةً لأحمد في الهندسة إلى رومانيا، وكانت البعثات قليلةً آنذاك، وطلبَ مني تجهيز أحمد للسفر بعد ثلاثة أيام، ثم حضر السائق وأصرَّ عليَّ أن أعود إلى بيت الأستاذ ذوقان بطلبٍ منه لتناول طعام الغداء، وعدتُ، ووجدتُ العزيزة أم محمد بانتظاري، وتناولنا طعام الغداء، وكانت أم محمد تداعب ابني الصغير جهاد وتقول لي: ما رأيك أن يبقى جهادٌ عندي في عمان ويقرأ في مدارسها!، وكان اليوم قد أعصر (فات وقت العصر)، ثم أحضر لنا سيارةً تقِلُّنا إلى جرش، وَوُدِّعْنا من قِبَل الجميع بأجمل ما يكون الكرم والضيافة، وكنت في الطريق ألاحظ ابنيَ جهاد وهو يحاول أن يحكَّ ظهره، فقلتُ رُبَّما من الملابس الخَشِنة التي كان يرتديها، فلم أكترث كثيراً من الفرحة التي كنتُ فيها، وعندما وصلتُ البيت حاولت أن أعرف السبب، فنزعتُ ملابس الطفل، وإذ بي أجدُ مبلغاً كبيراً من المال يبلغ مائتي دينار، وهذا مبلغ عظيم آنذاك (في عام 1969) كانت قد خبَّأته أمُّ محمد في ملابس الطفل حتى لاتحرجَني، فقضيتُ الليل أبكي، وأدعو لهذا البيت الكبير وأهله ـ بيت الكرم والأخلاق ـ بالخير ودوامِ العزِّ وطول البقاء… رحمهما الله”.

في 2 تموز عام 2005 اختار الله عزَّ وجل ذوقان الهنداوي إلى جواره، فأغمضَ "الأستاذ” عينيهِ وانتقلتْ روحهُ الطاهرة إلى بارئها بعد ثمانيةٍ وسبعينَ عاماً أمضاها في بناء الوطن وخدمته الصادقة لقيادتهِ وشعبهِ بكلِّ استقامةٍ وأمانةٍ وإخلاص. وتكريماً له ولجهودهِ وإنجازاتِهِ اللامحدودة في بناء الوطن، فقد أمر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم بأن يُدفنَ فقيدُ الأردنِّ الكبير ذوقان الهنداوي في المقابر الملكية قريباً من قائده ورفيق دربه الحسين العظيم،كما كَرَّمتْ محافظات المملكة الراحل الكبير الهنداوي بأن أطلقت اسمه الطاهر على العديد من المدارس والميادين الكبرى في المملكة.

رحم الله فقيد الوطن والأمة الأستاذ ذوقان الهنداوي، وجزاه عن وطننا وعنا كل خير، وستبقى سيرتُهُ العطرة وصفاته وخصاله الحميدة من نظافة اليدِ والاستقامةِ والإخلاص والتفاني في العمل، والتواضع والبشاشة وحُبِّ الناس وخدمتهم وحُسنِ التعامل معهم نبراساً يضيء الطريق لأجيالٍ قادمة، وستبقى ذكراهُ حيّةً بين الأردنيين الذين سيبقون يتذكَّرون رجالاتٍ عظيمةً قدَّمتْ للوطن الكثير في وقتٍ لم تنتظر أن يقدم الوطن لها أيَّ شيء!

رجالٌ إذا الدنيا دجتْ أشرقتْ بهمْ… وإن أجدَبَتْ يوماً، بِهِمْ نزلَ القـــــــــطرُ!

أقاموا بِظَهْرِ الأرضِ فاخضَرَّ عُودُها … وحلّوا ببطنِ الأرض فاستوحشَ الظَّهْرُ!

*مستوحاة من مذكرات "الأستاذ”
   
الإسم
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الهلال نيوز الإخباري' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .

الاردن الاخبار , اخبار الاردن, عاجل من الاردن , المحافظات الاردنية ,الطقس بالاردن
اخبار الاردن
الاردن اليوم
أكشن اليوم العربي Action Today Action Today