الناشر و رئيس التحرير : محمود كريشان
التاريخ : 2018-07-09
الوقت : 11:12 am

وسط البلد.. نشرب بكؤوس أعيننا..!

الهلال نيوز-سأحاول أن أمنح، قدر ما أستطيع من حريتي الذاتية للكلمات، حتى أتيح لها أن تنكتب بذاتها.
كنتُ مدخّناً من قبل، أما الآن فلا. في ذلك الوقت، كنت أمسك فنجان القهوة بيد، والسيجارة باليد الأخرى.
يقول «عزيز نيسين» في مطلع إحدى قصصه: ثمة شيئان لا ننتجهما في بلدنا: القهوة، والديمقراطية. فنحن نستوردهما من الخارج.
في وسع الكاتب أن يمد يده إلى فنجان القهوة الذي لا يراه سواه.
لطالما فعلت ذلك وأنا أجلس وحدي في «مقهى الجامعة العربية» الذي أمسى أثرين بعد عين: أثر في المكان، وآخر في الذاكرة.
والآثار في عمان؛ ذاكرةٌ من حجر.
لقد كنت أردد وقتها تلك الجملة السحريّة الشهيرة: «اللذة في القاع»، هنا يمكننا أن نستحضر لذة الإبداع.
كنا نذهب إلى هناك بسيارة أجرة. كان السائق أشبه بقائد مركبةٍ فضائية، أو غواصةٍ مائية. وكنا نهبط إلى الأسفل، وكأننا نعود إلى الجذور.. فالمقصد النهائي هو: العودة إلى بداية التكوين..
دققوا معي في جغرافية المدينة التي نعيش فيها.. عمان تغدو هنا نموذجاً حياً وملائماً لبناء تصوّرٍ معقولٍ، حول الكيفية التي يتشكل بها قاع المدينة.
نحن أبناء التضاريس الصعبة، وديكتاتورية الجغرافيا.
إن الجبال التي تحيط بصحن المدينة، تحرس اختلافها، وتدافع عن تميزها منذ القِدم.
أما سفوحها المزروعة بالمساكن، فهي تسكب سيلاً من الحكايات، في جميع المناحي والأماكن.
وكل المسارات المنحدرة التي تحيط بوسط البلد من جميع الجهات، إنما تجسد فكرة الروافد التي تصب في نهاية المطاف، داخل بوتقة القاع.
فالبشر، والسيارات، والأحداث، والحكايات، والأنوار، والظلال، والأحلام، والأفكار، والصور، والأصوات، والأمطار، والثلوج، والأغبرة، والأدخنة، والألوان، والخيالات، والمرايا، والهدايا، والكتب، والساعات، والسكون.. حتى السكون يأخذ شكل قاع المدينة، ويكون مسكوناً بروحها.
صحيح أن الشاعر قد يهرب أحياناً من المدينة إلى الريف، بحثاً عن الهواء النقي، والصور البكر. ولكنه أشبه بمن يهرب من المرأة التي يعشقها، ويحب عيوبها قبل محاسنها.
فكم من الشعراء العمانيين، عاد بعد سفر طويل.. ليرى أمام عينيه، صورةً غير طبق الأصل عن المستحيل..! أما الرواية، فهي تولد من رحم المدينة. بل إن الرواية، هي مدينةٌ من ورق.. وبتعبيرٍ أدقّ: مدينةٌ على الورق.
لقد أخبرني الصديق القاص «عيد بنات» ذات يوم، بأن أحد كتاب القصة القصيرة، كان يقول عن نفسه بأنه أعظم كاتب قصة قصيرة في «صويلح»، ثم انحنى باتجاهي هامساً: إنه كاتبٌ ماكر.. لأنه يعلم سلفاً بأن معظم كتاب القصة في بلدنا في ذلك الوقت كانوا يسكنون في ذلك المكان.. قريباً من السماء.
من العبث البحث عن مآلات الأدب الحقيقي، على سطح الأحداث، أو حتى على قمم الجبال. لأنها تتشكل هناك.. في الأسفل.. أعني: في القاع.
وبهذا، نحن لا نُخرج من جيوبنا ما أدخلناه إلى قلوبنا، كما يفعل الحواة أمام الهواة.. بل إننا نعاين، وبإحساسٍ مفارق، ما يترسب في قاع المدينة، من خلاصات الأحداث والظواهر والمجريات.
والأدب، بقدر ما يحتفي ظاهرياً بالتفاصيل، فهو إنما ينشد جوهرياً ما وراءها من مخرجاتٍ ومنتجاتٍ ومحاصيل..
من منكم لا يذهب بين حينٍ وآخر، كي يرتمي مشتاقاً في أحضان المدينة؟
وكم بيننا من لم يبحث عن روح الأشياء في وسط البلد؟
إنها الروح التي تسكن في الصورة.. مثلما تسكن الصورة لاحقاً في النص.
والكاتب مثل التاجر؛ كلاهما يعرض للناس أفضل ما عنده من سلع، بأفضل طريقةٍ ممكنة.
ولطالما وصفتُ الإبداع الأدبي، بأنه طريقةُ عرض.
لكنني رأيت في بعض العيون، يداً تضع باقةً من ورد، على قبر المؤلف.
عادةً ما تسبق النصوص المتوهجة، من لا يستطيع اللحاق بها، وتلحق بمن يستطيع أن يسبقها.
إن متعة الكتابة على منضدةٍ صغيرة، في مقهىً عتيق، بوسط البلد، مع كأسٍ من الشاي بالنعناع، الذي تفوح رائحته المنعشة في أرجاء المكان، هي متعةٌ لا تُضاهى.
قد يقول قائل: أحياناً، تكون متعةٌ موجعة!
وقد أوافقه الرأي.
فأرجوكم، عودوا لتقرؤوا من جديد، وفي هدوءٍ بعيد.. ما كتبه «رولان بارت» عن «دور الألم في تحرير الدلالة». بالمناسبة، «بارت» كان مدخناً شرهاً. ولكن، يصعب علينا القول: إن كل مدخّن مفكّر.
الرجل العجوز، الذي يقف عند باب الجامع الحسيني باحثاً عن الخبز، يهديني في كل يوم قصةً قصيرة.. تنتهي بنظرةٍ إلى حين ميسرة.
والمرأة الحسناء، التي تقف عند باب قصر العدل القديم، باحثةً عن الحرية، تهديني في كل يوم حياةً جديدة.. سرعان ما أعيشها داخل فضاء اللغة.
وكلما نظرتُ إلى لوحٍ من الزجاج الشفاف، رأيت صورةً من صور الحرية.
بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوّة: لماذا نشعر بأكبر قدر من الحرية، في قاع المدينة، الذي يحتوي على أكبر قدرٍ من المحددات؟ ألستم معي، في أننا نجد حريتنا، حيثما نجد أنفسنا؟
ليس بالضرورة بالطبع، أن يبتعد عنا الخيال، إذا ما اقتربتْ منا الحقيقة.
قد يحدث هذا بشكلٍ ساطع، حينما نحدّق في الواجهات الزجاجية للمتاجر المتلاصقة.. ثم نبتعد من هناك، بينما تبقى صورنا عالقةً في الزجاج.
على الكاتب أن يقوم بعملية نحتٍ نظريةٍ مضنية، بعد أن يحصل على المخزون الشفهي، الذي يمكنه فيما بعد، من انتاج الصور، وصياغة التشبيهات.
فنقول في أنفسنا، قبل أن نقول للآخر الذي يلعب دور القارىء، على الطرف الثاني من الحكاية:
هذا الشيء يشبه ذلك الشيء.
والذاكرة في هذه الحالة، تقدم الكثير من الخيارات المتاحة للمخيلة.
وقد يتم الانتقاء بواسطة عملية الاقصاء.. أي: الإبقاء على ما لا يطاله فعل الاستثناء.
إننا نوظّف هنا، التجربة الحيّة في انتاج الصور الأدبية الجديدة.
إنك أيها الكاتب الكادح، تمشي بخطىً وئيدةٍ على الرصيف، وترسم اللوحة تلو الأخرى، لما تراه، كيفما تراه.
وأحياناً قد تفعل ذلك وأنت مغمض العينين، وكأنك رسّامٌ كفيف.
إن أسلوب الكتابة ، متصلٌ بشكلٍ أو بآخر، بأسلوب الحياة.
وأسلوب الحياة يتشكل في البيوت، والشوارع، والساحات، والحدائق، والأزقة، والمتاجر، وغيرها من مفردات المدينة.. حسبما يقتضي الحال، بين كل!ًّ من «اليوتوبيا» و»الدستوبيا»..
هنالك قد تخلع الفضيلة ثيابها، وتنزل للسباحة فيما قبل ظهور السقف فوق السيل، فتأتي الرذيلة متسللةً من خلف حسن الظن، لتسرق ثيابها، وتخبئها في خزانة الليل.
أذكر مثلاً صينياً يقول: «إذا كنت لا تستطيع الابتسام فلا تفتح دكاناً»
أتساءل أحياناً: هل ينطبق هذا المثل على الكاتب؟
سوف أقدم نصيحة للنساء قبل الرجال، وهي عبارة عن مثلٍ صينيٍّ آخر، يتحدث عن الموضوع نفسه، أي: الابتسامة. يقول ذلك المثل: «كل ابتسامة تجعلك أصغر بيوم»
وهذا يعني أننا نحتاج إلى ابتسامة واحدة في اليوم، حتى نعيش إلى الأبد.
على أي حال، أنت في المدينة، لا تكاد تعرف أحداً، ولا يكاد يعرفك أحد.
وهذا ما يوفر البيئة الخصبة لنمو المعاني بواسطة تقليب الذهن لأوجه تركيب اللغة.. وتوالد الصور بإعمال الخيال، من خلال آلية الاحتمال.
وحينما تنظر إلى شخصٍ لا تعرفه، فأنت إذن تستعدّ لمهمة الاكتشاف.
إن أولئك الناس الذين يحيطون بك من كل جانب، هم مثلك، يحيط بهم الناس من كل الجهات.
وهذه الإحاطة المتبادلة فيما بينهم، هي التي تزرع الألفة على نحوٍ غير مباشرٍ في نفوسهم.
أعني تلك الألفة الاجتماعية التي يولدها الشعور بمواجهة القدَر الواحد، والمصير المشترك.
إن الذاكرة الجمعية، عادةً ما تفضي إلى خيالٍ جمعي.
كالحديقة التي تتوزع أزهارها المنوعة والملونة بتناسقٍ مدهش.. لكن روائح تلك الأزهار تمتزج فيما بينها متجاوزةً أقصى حدود الدهشة.
عندما يراقب الكاتب كلَّ حركةٍ أو تصرّفٍ أو فعلٍ من حوله ، فهذا يعني أنه يستنطق الأشياء.
وحينها، تتزاحم الكلمات أمام البوابة الخارجية لقدرته على التعبير.. في حين تنبري كلُّ كلمةٍ منها لكي تقول له باستعطافٍ كبير: أرجوك أكتبني.
إنها تريد أن ترى نفسها في مرآة الورق.
فهي مسكونةٌ بطاقة الكاتب النفسية.. ومفتونةٌ بنزعةٍ أنثويةٍ نرجسية.
لكن الكاتب، يعود في كل مرّة، ليتقابل مع نفسه في قاع المدينة.
ينظر وكأنه يصوّر.. ويمشي وكأنه يكتب..
وحينما يشعر بأنه لا بد أن يقوم بعملٍ ما، في وقتٍ محدد، ومكانٍ بعينه، فهو يخلع ثيابه النفسية الجوانية، ويقفز إلى بحرٍ من البشر.. ليسبح فيه بمهارة.
وهناك أيضاً، قد يتعلم السباحة ضد التيار.
لكن.. دون أن يصطدم بأحد، فينكسر معنى وجوده هناك، في داخله.
تلك هي المعادلة الأدبية الصعبة، وربما المعقدة، التي عادةً ما تكون نتيجتُها المنتَظَرة؛ هي انبثاق المعنى الأدبي.. كما تنبثق شمس الشتاء، من بين غيومه السوداء.
وحينما يرى إلى الكثير من الوجوه.. المزيد من الحركة.. العديد من الاتجاهات.. فإنه سيكتشف حتماً، بأن كلَّ ذلك له آثارٌ وظلال..
والكتابة آثارٌ وظلال.. فهي تنعكس من أثرٍ في النفس.. إلى ظلٍّ على الطِّرس.
في «مقهى الرشيد»، قابلتُ ذات مساءٍ صيفيًّ بارد، صديقي الأديب والناقد العراقي «عباس أمير». فتحاورنا كعادتنا في كل لقاء. كان يبتسم في نهاية كل عبارة. لقد تحدّث مطولاً عن الأثر.. قبل أن يؤكد في نهاية الحديث: بأن الإنسان هو مجرّد أثر.
وبالطبع، فإن: عناصر أكثر.. يعني علاقاتٍ أكثر.. وفرص أكبر لظهور المفارقة.
سواءً على مستوى الكلمة.. أو الموقف.. أو الفكرة..
ومن مثل هذه المصادر.. ينبع الأدب الجاد.. وكذلك الأدب الساخر...
حتى المهملات في قاع المدينة هي أكثر تنوعاً وغنىً!
أما سلة المهملات، أسفل طاولة الكاتب، فهي عادةً ما تكون مليئةً بالنقد الذاتي.
في صخب المدينة، نشرب بكؤوس أعيننا، كماً كبيراً من المشاهد والصور.. ومن هنا تتشكل وتستقرّ في أذهاننا فكرةُ التعدد، ونقترب من الآخرين، حتى نكاد نشعر بأنهم نحن الذين نقف في الجهة المقابلة. لطالما نزلتُ إلى قاع المدينة، فوجدته مغموراً بالماء.. حتى في غير فصل الشتاء.
هنالك نتعلم كيف يُصنع الفرق على عيوننا، بين أسئلة الأرض، وإجابات السماء.
زياد صلاح

 
 
   
الإسم
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الهلال نيوز الإخباري' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .

الاردن الاخبار , اخبار الاردن, عاجل من الاردن , المحافظات الاردنية ,الطقس بالاردن
اخبار الاردن
الاردن اليوم
أكشن اليوم العربي Action Today Action Today