التاريخ : 2018-02-13
الوقت : 12:17 pm

طبيب واديب صومالي يتغزل بـ"عمان" من خلال "الهلال نيوز"


* محمد ديريه/ خاص للهلال نيوز
كنت قد أخبرتك عن أيامي في افريقيه .. وكتبت لك عن السودان وأهله .. وقد شمألت بي الأيام فرمت بي عبر الأردن .. أي شرق النهر لا غربه .. وكانت وقت قدومي آخر ما بقي من تلك البلاد .. فلم أعبر باتجاه دمشق وهي حاضرة الشام وجنة أهله ومنارة القاصدين قبل ذلك العام .. وجرت عادة أهل تلك الديار أن تطلق الشام على دمشق لا على سائر شمال العروبة كما درج أهلونا في لسانهم، ولعل في هذا تشويقاً لك وحرماناً لمن اقترب ولم يصل .. وعلى أية حال فأن تسافر جيداً خير من أن تصل كما قال بوذا يا بني. أتيتها جواً فلم أبصر مائاً من علٍ .. وكان الوقت ليلاً فلفحنا برد لطيف كأن نسيمه جو الطائف أو صَبا صنعاء .. واصطففنا صفاً طويلاً من العرب وكثير من الأعاجم .. يقدم الواحد منا على عربي يستلم جوازك ويبتسم اقتضاباً كمن رابه شك فلم يتأكد منه بعد .. ثم أمرنا بوضع أعيننا على جهاز يبصر في انسان عينك ضوءاً لم أعهده من قبل .. وسألني عن سكناي فما احترت ولا ترددت .. ناولني الجواز ثم قال لي: مرحباً بك في الأردن. وقد وجدت بلادهم نظيفةً يشدها الغلاء، جبليةً قليلة الخضرة والماء، جل عمالها من مصر المحروسة، صحة الناس بادية في ملابسهم وألسنهم بها مزيج من رقة الشام وجفوة أعراب الجنوب .. على أن أصواتهم عميقة القرار كمن دلق في حلقه فنجان قهوة مرَّة .. يحدثك الرجل منهم فتظن نفسك أمام شاشة الأخبار. وأرضهم غير مبسوطة، فلا تنزل من جبل إلا وتصعد أخاه، ذكرتني بكمبالا عاصمة يوغندا ونيروبي ومدناً أخرى مررت بها ولست أذكرها، بنيت على سبعة جبال فوق سبع أراضين، وقد درجوا على استغلال كل متر في بيوتهم، ففي ناصية كل بيت موقف للسيارات يكون جزءاً من أرض الباني، ومَطل على الشارع يدعى الترس يستغلونه عادة حين يطيب الجو ويحلو السمر فيلقون السلام على العابرين أو يدخنون النارجيلة في جلسات جماعية، وهم قوم يقدِّرون الكيف والعصاري ويشربون القهوة سائر الصبح، ولم أجد للشاي في أرضهم ميزة، غير أنهم مدخنون ولا يجدون غضاضة في تقديم السيجارة كجزء من تقاليد الضيافه ولا يكاد يخلو مكتب أو صالة انتظار من منفضة السجائر. والمدينة مبنية على نظام انجليزي عتيق في جعل حركة السير دائرية مربوطة بسلسلة من الأنفاق .. الإشارات الضوئية قليله والأولوية في (الدواوير) لمن قوّى قلبه وأغمض عينيه وكاتف الآخرين .. على عبوس في ملامحهم وإن لم تخل أرواحهم من طيبة لاينكرها إلا جاهل أو عذول. وهم قوم عمليون جداً، ورثوا عزيمة رجال الجبال ودهاء التجار من نابلس ودأب الفلاحين جهة الشام، يستيقظون باكراً ولايجدون وقتاً للقيلولة أو نوم النهار، يعمل الرجل منهم في وظيفتين، وإن سألتهم عن عبوس ملامحهم وكشرة نزلت فيهم أخبرك الأردني أن غلاء المعيشة لايترك فرصة لشيء إن كان من أهل المدن، أما إن كان من البدو افتخر وقال لك إن الكشرة مهابة .. ومن ثم يطلق ضحكة الواثق من كذبته البيضاء. وقد يطول حديثي لك عن عمان .. لكنك لن تجد الإنسان الحقيقي في مدينة ضمت كل نكبات العروبة كبيت قديم يلجأ إليه من غير تردد كل من ضاقت به أرض عربية .. لكن الأردن لا يشبه الأُم كمصر أو العراق أو حتى اليمن .. ولايشبه أباً طويل القامة مجروح الكتف كسوريه الحبيبه .. يقع كجغرافيته تماماً مكان الأخ المتزوج من ابنة عمك .. لا تتردد في طرق بابه ولكنك لا تطيل المكوث حيائاً أو خجلاً أو عودة لاتجاه جديد .. إذ يصعب الحديث عن الأردن دون التفاتة تجاه فلسطين .. كل شهقة هنا مقدسيَّة الهوى .. ولا تقابل ثلاثة دون أن يكون اثنان بقاف محكوكة الأطراف من طولكرم أو مدٍّ كحزن ليل الخليل .. وإن سألت تكسيا عن أصله فأجابك أنا من مواليد عمان فلا تستغرب .. لكن إن قال لك من سحاب أو من شفا بدران أو حتى من وادي السير فتمهل .. ما زالت عشيات وادي اليابس بعيدة عن فم عرار. وقد تطورت المدينة بعد اجتياح الكويت .. عاد الفلسطينيون محملين بجراح على أطرافها رؤوس أموال وكفاءات افادت البلد واستفادت منه .. كل نكبة عربية تبيت أول ليلة في مطار الملكة علياء بالأردن يا بني .. ومن ثم ازدهرت بعد اجتياح العراق واحتلاله .. وعلك سامع هذه القصة ألف مرة ولو قدمت عمان بعدي بألف عام .. والحديث عن السوريين وملاجئهم شيء يدمي القلب ويسافر ناياً حزيناً تجاه أقدم عاصمة للدنيا .. يبيت بنوها في مخيمات وزعت بإتقان على أطراف الصحراء .. وإن يكن الأردنيون قد استضافوا الليبيين جرحى والسودانيين مرضى واليمنيين طلاباً وأصحاب مطاعم .. إلا أن يدهم وصبرهم كان أطول مع نكبات دول الجوار .. ابتداءاً من اقتتال الأخوة الأعداء في لبنان وطائفية ما بعد سقوط صدام وجنون بشار وإجرامه في حق شعبه. وقد زرت المخيمات الفلسطينية في بيروت وشتان بينها وبين دور الفلسطينين بعمان .. هذا الرقم الوطني يتقاسمونه في هذه البلاد كما يتقاسمون فنجان القهوة وصوت فيروز على الصباح .. لكن الفلسطينيين مسكونون بالعودة ومتذمرون من المحسوبية والبطالة في بلد شحيح الموارد من أساسه .. وهذا لا ينفي أن يكون منهم رؤوس أموال ضخمه وأساتذة أفذاذا .. لطالما كانت النكبة ثقباً أسود في رئة كل عربي .. لكن هذا الانسان الجبار طوَّعها شهادات واستثمارات وإنساناً صعب المراس .. عائلاتهم معروفة غير ممتده .. وفردية الفرد منهم عالية .. قد تعاني معهم لكنك تعود رافع القبعة له أول المساء .. لطالما قلت أن كل الشعوب التي مررت بها كانت سهلة الوصف .. منداحة المتن لعين عابر قديم .. لكن كيف بربك تصنف شعباً قطعت أرضه لأربعة أجزاء وشتت في المنافي ووقف بنوه طويلا أمام كل ضابط جوازات؟! وأنت يا بني إن جئتها محتاجا لشهادة حسن سيرة وسلوك في كل معاملة حكومية .. لكن للأمانة لن تجد احتراماً في وزارات وطنك كما ستجده وأنت تتوه وتسأل ضابطاً أردنياً عن طريق بديل أو تحلف له باستعجالك وهو يقسم ويطلق زوجته مرتين إن لم تنزل لتقاسمه قهوة سوداء أو – يكسَبُكَ – كما يقولون هنا على منسف ساخن أعدته العائلة قبل قليل. وعلى ذكر المنسف .. مر أحد مشاهير الدعاةِ – وهو رجل لن تذكره الأجيال على أية حال – لافتتاح معرض الكتاب بعمَّان، تخيل أنْ يأتي داعية تلفزيوني ليفتتح معرضاً للكتاب في أرض أنبتت عرار وكتب عنها عبدالرحمن منيف وسُجن لأجلها هاشم غرايبه لعشر سنين وأكثر .. ثم دُعيَ الداعيةُ – كعادة الكرام هنا – إلى منسف أردني .. ضأنٌ مطبوخٌ بلبن أُمِّه كما هو التحذيرُ في العهد القديم ومنه تعرف تجذُّر العِداء بين الأردنيين والإسرائيليين ومنذ القِدم .. يرتكز شامخاً على أرز أبيض .. شيء تدخل يدك فيه فلا تخرج إلا مدسمة الأطراف مشرئب العنق بلبن ثخين مالح يدعى الجميد، ويزدان كل هذا بخبز يدعى خبز الشراك على أطرافه فيأتدم اللحم بالخبز ويمسي أقرب لوصف حسان بن ثابت رضي الله عنه حين مدح الثريد فقال: إذا مالخبز تأدمه بلحم فذاك أمانة الله الثريد دُعيَ الداعيةُ إلى مأدبة القوم .. وهم يأكلونه وقوفاً احتراما للحم وخوفا على الضيف من الشبع، ويأسرونك بالحديث حتى تصافح مقابلك على كف كسيت بالخبز والحب ومرأى وجوه النشامى .. فما استساغ الأكلة وذمها قائلاً: ليتهم قدموا لي شاورما، وتلك وأيم الله منقصة للحر .. أن يذم طعام ضيفه، ومافعل ذلك أبو القاسم بأبي هو وأمي ولا زاد على أن قال: لم يكن بأرض قومي فآكله. وقد جلت ديارهم فما أوقفني عسكري ولا طلب مني اقامة أو تأخرت معاملة لي في دائرة حكومية، اللهم إلا ما كان من مدخل ضيق لميناء الأردن العقبة، أوقفنا فيه موظف عتيق وتناول اثباتي وصديقي اليمني ثم بدأ بإرسال رسائل مبطنة عن الربيع العربي واستقرار الأردن، ولمزنا باضطراب بلداننا، فما كان منا إلا أن سألناه لماذا لم يوقفنا حر في طريقنا للشمال ولا استجوبنا بدو الجنوب الكرام بينما تقيم مدخلا ضيق الفوهة على حدودنا مع ايلات؟. وقد شمألنا يا بنيَ فنزلنا اربد وألقينا نظرة أسى على فلسطين المحتله من جهة أم قيس وصافحنا درعا الكرام بالعين دون اليد .. واستضافنا فتى من بني عقبة العَمْرو يُدعى الأمين الربيع .. ولعمري إن وجهه الربيع وقرى ضيفانه البشاشة قبل الزاد واصطفاف شيوخ العشيرة للاحتفاء بشاعر سوداني نال جائزة الشارقة لهذا العام يدعى محمد عبدالباري ويماني وجهه ينوب عن قبيلة في المغنم والمكره وسعودي كريم جاء من بعيدة ليتم عقد العروبة التي لاتنتظم إلا برائحة عرار نجد .. وإنك إن جئتها لواجد هواءها من أطيب هواء الأرض .. وأرضها جبالاً كسيت بالخضرة كأن طفلاً أحبه الله دار بالياسمين فحفها حفا، وتخالك تمشي في أرض العروبة حين تمشي بالدروب فلا تميز الشامي من المصري إلا في مطعم عراقي أو ناصية يمانية، على أن القوم مليئون برموز التعظيم وألفاظ التبجيل لكبارهم ، فينادون أكبرهم بالعطوفة وأصغرهم بعامل الوطن كناية عن القائم بتنظيف الشوارع، ويدعون المراسيل بينهم بالمكاتيب، ولا تكاد تجد عجمة رغم وجود الشركس والشيشان والأكراد بينهم، كأن هذه الجبال ضمت الجميع ضم الأم فما عاد ثمة غريب هاهنا. إلا أن الفطين ليألف تباين القوم سياسيا وجغرافيا وعرقيا بتمايز أهل المدن والتحضر .. يكفي أن تعرف الفريق الذي يشجعه مقابلك حتى تضع اصبعك على جهة في الخريطة. ولا تغادرها قبل أن تصعد عجلون،، تلك العَدَن،، حيث لو ولد فيها أعجمي لأمسى شاعراً، وزر قلعة صلاح الدين وإن كنت من أهل الكيف فلا تفوت شرابا يعتِّقه الربضية من مسيحيَّة تلك الديار. وقد وجدت سماحة نصارى الشام ها هنا .. تعرفهم بأسماء عوائلهم وصليب يتدلى من أعناق بعضهم .. يتنقلون بين التجارة والطب معجزة سيدنا المسيح عليه السلام وهم كرام كبقية القوم، يكسبون الضيفان ويصلون الود، ولا تشعر معهم بتلك الجفوة التي يجدها المسلم عادة مع أخوة دينه من مذاهب أُخرى مثلا . واشغل نفسك بالتنزه والمشي في دروب اللويبدة حيث البيوت العتيقة واصطفاف الورد على جدران سكانها الطيبين، وانزل لمطعم هاشم فقد ورد في الأثر عن صديق قديم: من زار الأردن ووقف بجوار العلم فما زارها، ومن تصور في مطعم هاشم فقد جاء عمَّان وإن لم يزرها! وجر القدم تجاه حبيبة، واصطف مع السادة الفقراء طويلا بوسط البلد، حيث الكنافة التي لا مثيل لها في كل الجهات، ثم اشرب شايا في مقهى السنترال الذي أنشيء سنة 1930 م وكان مجمع الشيوعيين طويلا حتى بات شبيها لتاريخهم بقدمه ونتوء جدرانه وصوت أم كلثوم الذي يتنهد ولايكاد يبين، واطلب مقعدا – كعادتهم – على ترس ذلك المقهى أو بلكونته وتأمل مليا المكتبة الأهلية وأقدم مقر لجماعة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الاسلامية المعارضة أمامك مباشرة.. وتذكر وجه المخبر في مدخل العقبه ويداً مدت لكريم على سدر منسف وصوت ماجده الرومي وهي تغني: أعود وكلي حنينٌ أعود، وتذكر صليباً على صدر سمراء من قوم عيسى وضحكة عراقي حزين في مشرب ليس بعيداً كوجه مظفر، واقلب صفحتي هذه حال وصولك واقرأ على صدرها رداً لعرار حين وضع قرشاً من ذهب في سنة المجاعة وكتب على ظهره أجمل وصف لأهل هذه الديار الجميلة: الله يعلمُ والأيامُ شاهدةٌ أنَّا كرام .. ولكنَّا مفاليسُ! * طبيب وكاتب صومالي مقيم في عمان مستشفى الجامعة الأردنية.
   
الإسم
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الهلال نيوز الإخباري' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .

الاردن الاخبار , اخبار الاردن, عاجل من الاردن , المحافظات الاردنية ,الطقس بالاردن
اخبار الاردن
الاردن اليوم
أكشن اليوم العربي Action Today Action Today