التاريخ : 2017-07-18
الوقت : 10:40 pm

طارق مصاروة.. ذاكرة الصحافة

الهلال نيوز-د.مهند مبيضين

عاصر الإعلام الأردني في مراحله الأولى، وتشرب الفكر القومي في سن مبكرة من طفولته. يرى أن الديمقراطية وسيلة لتقدم الأردن، لكن المهم عنده "عيش الناس بكفاية وعدالة، والدين وسيلة لتشريف الحياة، وليست الحياة وسيلة لتشريف الدين".

يقدم نفسه بقوله "أنا تلميذ أنطوان سعادة"، ويستطرد "لكن للأسف قيادة الحزب انحرفت عن مبادئها، ونحن تعرفنا إلى الحزب القومي في سورية..".

ولد في مأدبا في العام 1936 "في حارة العزيزات" لأسرة ميسورة، فوالده سليم المصاروة كان هاجر مبكرا لأميركا، وبعد اغتراب "عاد وعمّر بيتا، وشيّد طاحونة، واشترى ثلاث شلايا غنم، وهو أول واحد طلع من حوش المصاروة".

يصف لنا الحوش "حوشنا طلع منه سبعمائة واحد، وكان مكون من سبع بيوت وله مدخل واحد، وكل بيت فيه بئر ما، وأهل الحوش ممن هاجروا من الكرك لمادبا أواخر القرن التاسع عشر". وبعدما خرج الناس من الحوش "اكتُشف في أرضه بقايا كاتدرائية، وإذا بأرضه كلها فسيفساء".

طاحونة والده كانت مقصدا للبدو القادمين من "المشاريق ومن السعودية". وفي مأدبا كانت الذاكرة الأولى، عشرة أعوام من الدراسة، في أولها كانت في مدرسة دير اللاتين للصف الثاني، ومن ثم "أقام الأميركان مدرسة، وذهبت من مدرسة اللاتين وسجلت أنا وغالب هلسا القادم من ماعين في الصف الخامس، ولم ندرس الصف الثالث والرابع..".

كان معه في مدرسة اللاتين فواز أبو الغنم، وفي مدرسة الأميركان ميشيل حمارنة وهاني حدادين وآخرون.

آنذاك مناهج الدراسة كانت صعبة ومتقدمة "قرأنا الأدب الغربي، ومأدبا بدت حلما للبدو.. وتأخرها اليوم نتيجة لهجرة العناصر المثقفة لعمان..".

في العام 1947 رحلت الأسرة لدمشق "والدي جاء على باله أن يزعل لعدة أسباب". وما أن وصلت الأسرة دمشق حتى عمل والده بالتجارة وتغيرت مواقع سكنها في حي السادات وفي باب توما.

درس في الشام بالمدرسة الآسية الأرثوذكسية، ونال البكالوريا السورية، ومن ثمّ درس بمدرسة للحزب في قرية حينا في منطقة جبل الحرمون.

اغتيال العقيد عدنان المالكي في 22 نيسان (أبريل) 1955 دفع طارق للهرب لبيروت "وبقي والدي بدمشق"، وذلك بعد توجيه تهمة الاغتيال للحزب القومي السوري الاجتماعي، وما أعقبها من صدور حملة اعتقالات انتهت بوضع آلاف من أنصار الحزب في السجون.

استقطابه من قبل الحزب القومي السوري لا يعزوه لأحد، بل كان نتيجة موجة تعاطف بسبب إعدام أنطوان سعادة العام 1948.

ذلك الحدث ترك آثاره على الإقليم، ما "أدى لقتل رياض الصلح في عمان العام 1951". ويروي مصاروة أسماء المنفذين من الحزب القومي السوري، ومنهم "الرفيق محمد أديب الصلاح، وكان بالجيش الأردني برتبة شاويش، الذي جاء عنده ميشيل الديك، وهو صاحب مقهى في درعا، والثالث كان من عائلة حداد.. وبعد الاغتيال قتل الديك وقبض على محمد أديب، وحداد هرب للشام، ومن الشام أرسله الحزب للبرازيل...". وبرأي مصاروة كان أنطوان سعادة مؤثرا وفيلسوفا ومقاتلا بطبيعته وكان هذا سبب تعلق الشباب به.

بقي مصاروة في بيروت ستة أشهر، وظل على انتمائه للحزب حتى العام 1961، وبعد أن جاءت القيادة لعمان "قلنا لهم هل وظيفة القوميين الذهاب للحبس".

تكرار فشل الانقلابات، وانعطافات النخبة العربية وفشل أحلام الوحدة قادت الرجل للركون للعمل بالإعلام بالأردن، وفي العام 1958 تأسست جريدة الوطن من قبل سمير الرفاعي، رئيس الحكومة حينها، وكانت غالبية الصحف اليومية بالقدس، ورأس تحرير الوطن صبحي زيد الكيلاني، وكتب مصاروة بتوقيع طارق لأول مرة على العمود الثامن في الصفحة الأولى.

ذات صباح جاء إليه البريد برسالة من القائم بالأعمال الأردني في طهران وصفي التل "امتدح ما كنت اكتب"، وبعد شهرين أُغلقت الوطن. وكان سبب الإغلاق رفع يد سمير الرفاعي عنها وحلول هزاع المجالي رئيسا للحكومة محله.

بعدها طلبه محمود الشريف، وكان مديرا للأخبار في الإذاعة، "عرض علي الشغل براتب 40 دينارا، وأصررت على 45 ليرة، وافترقنا، وبعد يومين جاء وصفي وحل مديرا للتوجيه الوطني محل عبدالمنعم الرفاعي، وطلبني وكان عمري 21 عاماً، وقابلته وعينني في 19/5/1959 بوظيفة معلق سياسي بالإذاعة".

آنذاك صقل تجربته مع أعلام الإعلام الوطني، ومنهم أمين أبو الشعر "كان لي أباً، وكنا نحب وصفي في حين كان هزاع نمطا فريدا من السياسيين الأردنيين، وظلّ يأتي للإذاعة بمعدل خمس مرات بالأسبوع...".

تطور مصاروة في الإعلام والمطبوعات "أحيانا لا يرضون عني وأُنقل للمطبوعات، وعندما يرضون أعود للإذاعة"، لكنه استقال من الإذاعة في حكومة سمير الرفاعي في العام 1963.

تعليقاته الساخنة جعلت رئيس الحكومة، سمير الرفاعي، يحتج عليه عند عبدالحميد شرف مدير الإذاعة يومها، فقدم مصاروة استقالته "ومن ثم استقال عبدالرحيم عمر، وبقينا معاً في المطاعم بلا عمل".

في العام 1965 جاء وصفي رئيسا للحكومة "عدنا ودفع ديوني"، وبعد عام أُرسل مصاروة ببعثةٍ لألمانيا، وهناك درس إعداد البرامج التلفزيونية، ولما عاد كانوا يعدون لإنشاء التلفزيون الأردني.

كان من المفروض "أن أكون مدير برامج، فاقترح عليّ محمد كمال أن اذهب لألمانيا وذهبت إلى بون وبقيت حتى العام 1970.

عودة وصفي رئيسا للحكومة حملت معها قرار دفاع بمصادرة صحيفة الدفاع "التي بناها أصلا سليم الشريف، على قطعة أرض بمساحة ثلاثة دونمات، ومن ثم خُطف سليم الشريف في أحداث 1970 وأظن أن من خطفه أبو علي أياد، وقام وصفي بإصدار قرار المصادرة".

كان سليم الشريف عند تأسيس الصحيفة، قد ذهب لبنك القاهرة وأخذ 300 ألف دينار، ومن ثم انكسر البنك، فأرسل وصفي موظفا اسمه عفيف الحسن وكان يعمل بالبنك المركزي ليدير البنك وينقذه، وفعل ذلك بجدارة، ومن ثم دفع المبلغ المستحق للبنك لإقالة البنك من عثرته.

سميت الجريدة الجديدة بـ"الرأي" على اسم جريدة القوميين العرب، التي كانت تصدر بعمان، وكان يكتب فيها وصفي التل في أواسط الخمسينيات.

بعد التأسيس طلب طارق مصاروة من وصفي أن يتصل بغسان تويني لأخذ تجربتهم في الصحافة "ذهبنا لـ"النهار"، ومعنا راكان المجالي ومحمد مصالحة ومحمود الكايد، وشاكر عربيات وكان يومها يرسم الكاريكاتير، وبقينا عشرين يوما ببيروت، وفوجئنا أن وصفي طرد أمين أبو الشعر رئيس التحرير وأحضر مكانه نزار الرافعي". لم يرق لمصاروة ما فعل وصفي "كان معروضا عليّ أن أذهب مستشارا لشيخ قطر، قلت للرفاعي لا أريد أن اشتغل معك"، وبقي هناك حتى 1975.

اغتيال وصفي التل جرح الرجل "كانت ضربة وأكلت هواة قوية". ومن ثم ّعاد وعمل مدير برامج بالإذاعة، وبعدها استقال وصار شريكا بجريدة الدستور أواخر السبعينيات، وكانت حصته 10 %.

انتقل مصاروة بعدها في تجربة أخرى "رئيسا لتحرير صوت الشعب، وحاولت أن أعيدها لألقها" وعمل مع مريود التل رئيس مجلس الإدارة "وأوقفنا تدهورها".

أحداث جامعة اليرموك في العام 1986 وتداعياتها ومقتل ثلاثة طلاب بها جراء تدخل الأمن أدت لإخراج الرجلين من صوت الشعب "طرد مريود، لأنه نشر خبر مقتل ثلاثة طلاب، واحتج رئيس الحكومة".

حينها كان مصاروة في نيروبي "قلت لا أريد البقاء، وجاء محمد الخطيب وحاول إقناعي بالبقاء وعدت للرأي..". بعدها منع مصاروة وفهد الفانك وخالد محادين وعبدالرحيم عمر من الكتابة في الرأي "اتهمونا بأننا نشاغب على السلام، ونزل خبر بأسمائنا في الجروسليم بوست".

في العام 1997 أسس مصاروة صحيفة العرب "وقبل أن تصدر في عددها الأول استقال بسبب اختلالات، برأيه.

وفي العام 2004، طُلب إليه أن يؤسس الغد "بقيت شهرين، وجئت بسميح معايطة، ومن ثم خرجت من المشروع بسبب تعييني عينا في مجلس النواب".

علاقته بالصحافة لا تقتصر على الصحف، إذ أسس مجلة الأفق العام 1982 و"أغلقتها الدولة بسبب المطالبة بالتخصص"، وبعدها أعاد إصدارها في العام 1992 و"أفلسنا أنا ومريود التل ودفعنا ديونا طائلة تلبسناها".

أصعب محطات كانت عندما بقي عشرين عاما مقيما في بيت ليس له "لا يوجد مصدر واضح للراتب". لكنه على الرغم من مرارة التجربة وحبها وإخفاقها، ليس نادما "لكن لم يكن هناك طريق آخر، والإعلام مهنة من لا مهنة له..".

من أكثر مواقفه النادرة مع الراحل الملك حسين: "لما أصدرنا مجلة الأفق ذهبنا أنا ومريود التل لمقابلة الملك الحسين، فأخذت معي جهاز تسجيل وجلسنا بمكتبه، وإذا بالفيش لا يدخل.. فقام سكرتيره الصحافي فؤاد أيوب بإحضار جهاز من عنده، فؤاد قال: اكبسوا الكبستين وبدأنا المقابلة". اقترح الحسين لحظتها عليهما أن يكبسا كبسة جانبية لإتمام التسجيل "قلت: سيدي لا أعرف عن الجهاز، وفؤاد قال لي اكبس بس الكبستين، وضحك الملك، وأتممنا المقابلة، ونحن نظن أننا نسجل لنكتشف عندما عدنا للمكتب أن جهاز فؤاد أيوب لم يكن يسجل، وكان الملك عارفاً بذلك، واستحضرت كل سؤال وأرسلت المقابلة، واطلع الملك عليها وضحك كثيرا".

في العام 1976 ذهب مع الراحل الحسين لروسيا، وكانت العلاقات مع الأميركان متأزمة على صفقة سلاح، وهناك قال الحسين للروس "ما بدي اشتري منكم بس بدكم تسمحوا لي أن أناور وقال الرئيس السوفيتي بودغورني: يا صديقي أشكرك لأنك ما كذبت مثل أصدقائنا العرب، وسنسمح لك أن تناور، وثاني يوم أخذونا لقاعدة عسكرية لحلف وارسو، وكان جماعة الحلف من العرب لم يدخلوها، وبدأت العروض العسكرية أمامنا، وبعد أن عدنا بأسبوع، وافق الأميركيون على طلبنا بتزويدنا بصواريخ هوك".

زوجته الأولى ألمانية أنجب منها ولدين، البكر سماه علي، لأنه أحب علي بن أبي طالب "اعتبرته الوحيد الذي خسر في السياسة لأنه صاحب خلق.."، وهو يعمل اليوم رئيس تحرير مجلة في فرانكفورت، وابنه الثاني رعد ويعمل في فرانكفورت أيضا، وبعد وفاة أمهما تزوج من السيدة نبيلة مصاروة ابنة عمه.
 
   
الإسم
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الهلال نيوز الإخباري' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .

الاردن الاخبار , اخبار الاردن, عاجل من الاردن , المحافظات الاردنية ,الطقس بالاردن
اخبار الاردن
الاردن اليوم
أكشن اليوم العربي Action Today Action Today