التاريخ : 2017-06-18
الوقت : 03:16 pm

حيدر محمود.. على كرسي الإعتراف!

الهلال نيوز-اللقاء مع الشاعر حيدر محمود له نكهة مختلفة، لتنوّعه، وعذوبته، وصراحته، فالحديث معه ليس ملاحة في بحور الشعر، ولا غوصاً في أسرار السياسة ونواميسها، ولا رحلة في عالم الميثولوجيا والأساطير فحسب، إنّه كلّ ذلك، وأكثر...


فهذا "الحيدر” منذ أن ألبس عمان عباءتها فوق الكتفين، مروراً بإنشاده للصعاليك، وهو يملأ الدنيا ويشغل الناس، بحكاياه، وشطحاته، التي تتراوح بين كونه ناطقاً بلسان ”القرايا"، ونهراً من المحبة والولاء للسرايا..
وما بين”السرايا” و ”القرايا” يتكرّس حيدر كأحد أعمدة عمان، وسندياناتها الشامخة، وهو الذي بادلها الحب حباً، والعطاء عطاء أجزل.
خلال لقاء "اللويبدة” معه، في مكتبه بمركز الحسين الثقافي، والمطلّ على ما كان يسمّى برأس العين، يحلوا لحيدر محمود البوح بمدى حبّه لعمان، وأساطيرها الجميلة، التي تُشكّل مادة دسمة لشعره..
وهو، في الوقت ذاته، لاينسى أول قبلة طبعها البحر على خدّه، عندما ولد في عرضه، على شواطئ حيفا ،كما كشف عن جوانب هامة من سيرته المهنية، التي تعرضت لانعطافات كبيرة بسبب ما كتبه مفنداً كلّ المزاعم التي تتّهمه بجلب المنافع، من خلال هذه القصائد.
له قراءته الخاصة للمتنبي، وما كان يطمح إليه، لم يسبقه أحد إليها ، ويمتلك الشجاعة بتقديم تفسيرات جديدة للقرآن الكريم، فهذه الجرأة ليست غريبة على شاعر تحدّر من عائلة "قوّست البحر”، وإحترفت القتال في ميادين الوغى...
فلنقرأ معا...
س- ماذا بقي لحيدر محمود من ذكريات الطفولة؟
ج - بقيت مجموعة أشياء مهمة جداً. الموجة الأولى التي حملتني في البحر، وقد ولدت في البحر، جاء أمي المخاض وهي على شاطئ حيفا، كعادة أهل المنطقة الفقراء والبسطاء، هكذا يأتي أولادهم. فأنا ولدت في البحر، وكان الحمّال الأول لحيدر محمود هو الماء المالح. هناك موجة أولى لطمتني على خدي، يعني أيقظتني منذ اللحظة التي ولدت فيها، وما تزال أثر هذه القبلة. هي القبلة على الخد، من أول موجة في البحر. هذه دائما أطالب بها، لأنها حقّي لا يمكن ان أتنازل عن هذه الموجة، حتى لو تنازلت عن الدنيا عامة. هي موجة خاصة في البحر الابيض المتوسط، على شاطئ حيفا، لا أتنازل عنها ما حييت، ولا أبنائي، ولا أحفادي، وكل الأجيال الآتية من بعدي. هذه نقطة، النقطة الثانية، أني لا أنسى أيضا بعد أن وعيت، وأصبحت أكثر وعياً على الأعراس الشعبية الجميلة، والتراث الفلسطيني القديم، الفلسطينيون تحديداً شعب "دبيكة” يعني أنّهم يحبون الفرح، ولعلي شاركت في مثل هذه الافراح وأنا أقل من الخامسة بالعمر، أحب الدبك والهز الطربي حتى هذه اللحظة، النقطة الثالثة، كل أجدادي من هناك. أصل أجدادي من حيفا، أنا لم أعرف أجدادي، يعني أنّني لا أعرف جدي أبا أمي، ولا أبا أبي، ولا أتنازل عن عظامهم، لأن قبورهم، وأشياءهم، ما زالت في الذاكرة،
أبتعد عن كل التفاصيل، وأذهب إلى جامع الطيرة، الذي صليت فيه أول مرة في حياتي، أصبح ملهى ليلي "كابريه” لليهود. حوّلوا الجامع الذي صليت فيه أنا إلى كابريه، وفي مرة شاهدت في فيلم لا أذكر إسم المخرج مآذن في مواجهة الدمار، شاهدت هذا الجامع، ولا يوجد غير هذا الجامع في منطقة الطيرة جانب حيفا، وتكاد تكون جزءاً من حيفا، لكن هذه المنطقة تجمع ما بين الجبل والبحر في آن واحد، والمسافة قصيرة ما بين الجبل والبحر، تقريباً مثل لبنان، أي مثل بيروت، من هذه الموجة، ولحظة ولادتي، والحمّام الأول في الماء المالح، والجامع، وعبر أجدادي، لا أريد أن أقول لغاية آدم، فقط جدّيّ أبو أمي وأبو أبوي هؤلاء لا أنساهم، موجودون في شعري بشكل دائم، أحسّ بهم دون أن أدري، أو أقصد، أنّهم موجودون، هذه الصورة موجودة.
س- هل توجد مؤثرات عائلية ساهمت في إتجاهك نحو الشعر؟
ج - قيل لي إن عامل الوراثة أتى من هذين الجدين. كانا يكتبان الشعر، لكني لم أسمع أشعارهم لكي أكون صادقاً، كعادة كلّ الفلاحين، لا يوجد لديهم وثائق كثيرة، أي أنّهم لم يوثقوا، إنما قيل لي، من كثير من الناس، إن هذين الجدين، وهما أقرباء أصلاً، كانا شاعرين، ومؤثرين بالشعر بالفصحى وليس بالعامية، لكنني لم أر، ولم أقرأ شيئاً لهما، للأسف الشديد، قد يكون ذلك وراثياً، وقد لا يكون، بالمناسبة الوراثة ربما عدوى جميلة تصيب الناس كأي عدوى أخرى، ممكن أن يصاب بها الناس.
س- هل كان أبوك شاعراً، أيضاً؟
ج - لا، لم يكن شاعراً، وإن كان سريع التعلم باللغات، الله يرحمه كان متعلماً نسبياً، وتخرّج شيخاً، كان هناك كلية شريعة في جامع الجزار في عكا، وهو من القلائل الذين ذهبوا لعكا وأصبح شيخاً، ومات متصوّفاً.
س - محمود، هل هو إسم العائلة؟
ج - لا أنا إسمي: حيدر محمود حيدر الباش. هناك عائلة قروية معروفة بالباش، مشهورة، لكنّ الإذاعة إختصرت الإسم عندما عملت بها. إلى حيدر محمود، وقالوا إنه لدي إيقاعاً موسيقياً في إسمي، والعائلة إسمها حيدر، المتفرعة من الباش، وأيضاً وأبعد من ذلك إلى الحارث، وهي عائلة كبيرة جداً كانت في مرج بن عامر والطيرة، وركيزة هذه العائلة، وهي عائلة محاربة مقاتلة، معروفة بالتاريخ، وأهل الطيرة معروفون أنهم "قوسوا البحر” (أطلقوا عليه النار) لأسباب رومانسية وعاطفية وليست للجنون، ولها قصة: (صديق أهله موجودون في إربد، هو مات، وكان من الذين يقتنون أسلحة. وكان مثل كل المسلحين الفلسطينيين، دائما سلاحه على جنبه. كان يمشي على شاطئ البحر، والظاهر أن "الدنيا ملمّعة معه”، وعامل دبكة طويلة عريضة، وموج البحر تطاول قليلاً على أقدام خطيبته، والظاهر أنها كانت ترتدي حذاء جديداً، حلف بالطلاق، قبل أن يتزوج، أنّه إذا كرر البحر فعلته فسوف "يقوس” البحر، فتجرأ البحر مرة أخرى، ووصل لفستان الخطيبة، فقال له: أنا نبهتك، و”طرق” سبع رصاصات في البحر! وكان ذلك حدثاً نقله أهل القرى للقرى المجاورة، وتحديداً نقل القصة واحد من قرية الطنطورة، يعرف إسمه الدكتور محمود السمرة (أستاذنا المعروف)، فقال:” إذا فعل هذا هيك بالبحر فكيف أي واحد يسترجي أن يحتل أرضه” والقصة فيها رومانسية جميلة: أن الذي يدافع عن أقدام خطيبته يدافع عن وطنه أيضاً.
س - ماذا بالنسبة لدراستك؟
ج - درست في الطيرة، وعمري سبع سنوات، ثم أتينا إلى هنا إلى عمان، وأنهيت الدراسة الثانوية في كلية الحسين، وكان جميع الأوائل من المدارس الأردنية العمانية يدرسون في هذه الكلية، وتضعهم في صف واحد، منهم: طاهر حكمت، وتيسير شبول رحمة الله عليه، ومنهم كثير من الأصدقاء، وحين أقول زملاء الدراسة فلا يعني أنّنا كنّا في عُمر واحد، وأنا أتذكر زملاءنا في هذه المرحلة. كان يوجد زملاء متزوجون، وأنا أزعم أنني كنت من الأوائل، وخاصة في اللغات، كنت الأول في اللغتين العربية والإنجليزية، وهذه حقيقة لا جدال فيها، وما زلت متفوقاً في هاتين المادتين.
س - هل كنت تكتب الشعر، وأنت في المدرسة ؟
ج - كنت مشهوراً جداً، وكنت أنشر، والمرحوم إبراهيم سكجها الكبير، أبو باسم، كان ينشر لي في جريدة "فلسطين”، وكنتُ في السابعة عشرة حين كتبت قصصاً طريفة، لم تُعرف حتى الآن، وكان إبراهيم سكجها سكرتير تحرير "فلسطين”، ينشر لي من بعيد، حتى ذهبت إلى القدس، وهذه قصة تاريخية يجب إن تروى: شكلي كان أصغر من عمري، فكان عمري سبعة عشر عاماً، فكنت أبدوا إبن خمسة عشر أو أصغر، فدخلت على أستاذنا الله يرحمه إبراهيم سكجها، وهو أستاذ الكل في الصحافة، لم يعرني إنتباهه الكافي، إعتبرني ولداً صغيراً. قال لي عندما عرّفت بنفسي مستغرباً: أنت فلان؟ قلت له: نعم، قال: أنشد لي قصيدة. والله أذكر أنّه فوجئ أولاً، ثم إحتضني، وصرنا أصدقاء فيما بعد. بعد هذا المشهد، وبعد بضع سنوات، عملت سكرتيراً لتحرير جريدة منافسة إسمها "الجهاد”، والغريب في الأمر أن العلاقات بين الصحافيين كانت سيئة، وكانت بين الجرائد منافسة حادة، إلا بيننا، أنا وإبراهيم سكجها، كان أستاذي، فظلّت العلاقات بيننا جيدة، إلى درجة أن أصحاب الجرائد، وجريدة "الجهاد” كانوا يتضايقون من ذلك،” شو دخّلني أنا”، وقلت لهم إن هذا الشخص هو أستاذ لي، وظلت هذه الصلة قوية إلى آخر لحظة، عندما جاء إلى دبي بقينا أصدقاء، وفي كل مكان.
س - بالعادة حين يبدأ الشاعر يبدأ بشعر عاطفي؟
ج - أنا بالعكس، أول ما بدأت الكتابة، كتبت عن القضية الفلسطينية، والجرح الفلسطيني، ولم أتغزل إلا من بَعد. من نشأ في تلك الفترة وأصبح شاعراً يهتم بالقضية أكثر من إهتمامه بالحياة، لا أنكر أني كتبت بالغزل من بَعد،
س - أول قصيدة غزل كانت من نصيب من؟
ج - فتاة كانت جارتنا، لا أدري أين هي الآن، لكن إذا سألتني عن أهمية ذلك الشعر، أنا لا أعتبره مهماً جداً، وأسأل أحياناً عن قصائدي الأولى؟ أنا من الشعراء الذين يعيدون النظر، وأحياناً أراجع قصائدي. يعني أعمل مثل الناقد حتى بعد صدور القصيدة، أو المجموعة الشعرية، أنتقد أعمالي، وأظنّ أن هذه تطورات مهمة جدا للشاعر: أن يكون الناقد الأقسى على نفسه، ولذلك بعض النقاد، وهم كثر، ليسوا أهمّ مني، أنا أهم منهم لأنني شاعر. أقول إذا لم يكن الشاعر ناقداً، متميزاً، على الأقل على نفسه، فإنه لا يكون شاعراً متميزاً، ومؤكد أنّه سوف يفشل، ويجب أن تعرف أصول النقد، وأنا بإمكاني أن أكون ناقداً، وأصوغ النقد بنفسي، ولكن لأنني أعتبر النص أهم من النقد، والأساس هو النص، وهو سبب وجود الناقد، وأنا لا أهتم بما يكتب عني، سواء نقد سلبي أو إيجابي، وبالعكس، أنا أشكر كلّ النقاد الذين يكتبون عني، سواء إيجابياً أو سلبياً، أحياناً يقولون أموراً لم أكن منتبهاً لها، وأحياناً أكره المجاملات، وكذلك أكره التجنّي، فأنا لا أريد أن تجاملني، ولا أن تتجنى علي.
س - تحدث لنا عن القصائد التي كتبتها عن المرأة؟
ج - المسألة لا تستوقفني كثيراً. أنا على رأي جدنا المتنبي، وهو الجد الأكبر، وهو لم ينشغل كثيراً في هذه المسألة، توجد قضايا أكبر، من أن تحصر نفسك بها، أنا أكتب عن الحياة، وعن الحب، أنا لست ضد حرف الحاء، ولكن أنا ضد أن يستوقفك ويلهيك عن بقية المواضيع المهمة جداً في حياتنا، ولا ننسى أن كل المواقف التي مرت بتاريخ الأمة حضرناها لغاية الآن، فنحن جيل الهزيمة، هزيمة وراء هزيمة، فكيف يمكن أن تستوقفك إمرأة بعينها، أو بالمطلق، عّما تراه أنت من هزائم. وأقصد أيضاً شعر اللهو، وشعر الشراب، نحن جيل الهزائم أولاً، جيل إنهيار القيم، جيل البحث عن الرغيف أحياناً، هذه المسائل تستوقفني بشكل جدي.
س - بما إنك منغمس بالسياسة، هل كنت منتمياً لأي تيار سياسي في تلك الفترة، أم أنّك إكتفيت بالشعر؟
ج - الشاعر أكبر من أي تيار سياسي، وهذه قضية مهمة، بصراحة المتنبي، جدنا المتنبي، أنا أعتبر أنّه ما زال معنا، وأنه أكبر بكثير من كل الإنتماءات والتيارات، وأكبر كذلك من الولاية التي يطالب بها، وكان يرى نفسه هكذا، وليس أقل من ذلك، ولديه مبرراته، ولا تستغرب إذا قلت لك إن كل الأحزاب السياسية التي مرت، والتي ستمر، لا تعادل في تأثيرها على الناس مثل قصيدة واحدة مهمة، وأظن أنك تشهد لي، وهذا الجيل كذلك، إن تأثير القصائد على الناس له حجمه وثقله، وأرى في نفسي ما يغنيني عن الإنتماء لحزب أو تيار، ولكن لا يعني ذلك أنني لم أكن متفاعلاً مع ما تطرحه هذه الأحزاب، وبالعكس، أنا أزعم أنني قرأت كل الأحزاب، من الإخوان المسلمين، إلى الشيوعيين، والبعثيين، والقوميين السوريين. طبعاً إستهوتني بعض الأفكار من هنا وهناك، ولكن لا يعني أنني إنتميت لأحدها إطلاقاً، ولا أحبّ أن أنتمي إلى أحدها الآن، أحس أنني أكبر من هذا الكلام، لا أعرف، سمه ما تريد، تريد أن تسميه جنون العظمة، وبصراحة فأنا أرى أن صحيفة محترمة تساوي كل الأحزاب، وقصيدة محترمة تساوي كل الأحزاب، و هي هذه قناعتي.
س -ماذا عن الدراسة الجامعية؟
ج - عملت في إمور الصحافة ست أو سبع سنوات بشهادة التوجيهية، إلى أن عملت في الإذاعة، المرحوم وصفي التل أرسلني إلى بريطانيا، درست بكالوريوس إعلام في وقت مبكر في الستينيات، ولذلك لغتي الإنجليزية ممتازة. بعد ذلك إنقطعت، وفي مرحلة لاحقة وبعد أن أصبح معي "شوية نقود”، ذهبت إلى أميركا، وحصلت على ماجستير علوم سياسية في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وكان من الممكن أن أستمر حتى الدكتوراة، لكنني ضد كلمة د. أكرهها لأنّ كل واحد درس شهرين في إحدى الجامعات، ولا أريد أن أسمّي، ووضع حرف د. وأصبح عالم زمانه. وشرفي لو معي مئة دكتوراه لا أقول على نفسي دكتور،
أنا أعتز بإهتماماتي اللغوية كثيراً. اللغة العربية دخلت في هذا المجال، وأقدر على مئة حامل دكتوراه في تحليل اللغة العربية، وأزعم أنني دخلت في التفاصيل. حتى الجامعات تستعين أحيانا بي، هناك جامعة اللغة في القاهرة تستعين بي في كثير من الأمور اللغوية، ودخلت في موضوع التفسير اللغوي المتقدم للقرآن الكريم.
س - وما هو هذا التفسير المتقدم للقرآن الكريم؟
ج - أضرب لك مثالاً صغيراً، على بداية الحروف، في بعض السور القرآنية: ألم، كهعيص، نون والقلم إلخ توجد في أربع عشرة سورة أربعة عشر حرفاً أستخدم، ولا يوجد لها تفسير. لا في الكتب القديمة أو الحديثة، ولكن طالما بإمكاننا أن نجتهد أجتهد وأسجلها في إسمي، والآن ونحن في زمن الإعلام، لا بد لكل موضوع من عنوان رئيسي مثلا في برنامج تلفزيوني يجب أن يكون له عنوان وتضع في مقدمة الإشارة جزءاً عمّا يوجد في الداخل. أرى أن الخالق يتحدث مثلاً عن "كاف صاد” هذه "كود، شيفرة” إلهية يقول فيها ويشرح ما سيأتي من كلام، يقول الخالق عز وجل للعرب الفصحاء البلغاء، الذين يلغوا الذروة في فصاحتهم، يقول لهم: بهذه الحروف التي كتبتم بها هذا الشعر الجاهلي العظيم، وعلّقتمونه على جدار الكعبة، وكتبتمونه بماء الذهب وتفوقتم به على العالم أجمع، بهذا الشعر، بهذه الحروف الثمانية والعشرون، وأتحداكم بنصفها، وليس بكلها، أن تأتوا بمثل هذا الكلام.
وهذا على سبيل المثال واحد من الإهتمامات اللغوية، وهذه صورة من الصور، واللغة العربية هي لغة إعجاز، وإلا لم تكن لغة القرآن الكريم، وهي أغنى مّما نظن، وأنظر كيف العربي يمكن أن يتعلم اللغات، ويلفظها أفضل من أصحابها، لأنّ ذا اللسان العربي فصيح. عندما تلاحظ الضاد والدال، وترى الحروف االمضخمة. لذلك اللغة تحتاج إلى إستغراق، ولا يزعم أحد أنه يتقن اللغة إتقاناً كلياً فهذا مستحيل، لا توجد إمكانية بالإحاطة باللغة كلها. أنا مهتم بالشعر، وبالفن التشكيلي، ولي علاقة به من خلال الخطّ، فأنا خطاط، ولكنّ الوقت لا يسعفني لممارسة كلّ الإهتمامات.
س - دواوينك هي بخط يدك؟
ج - نعم أنا أحب أن أكتب بخطّي، لأنه أوضح، ولا يسمح ذلك بوجود الأخطاء الطباعية.
س - كيف دخلت إلى الإعلام؟
ج - كنت أكتب مبكراً، ومثل أي هواية أخرى عندي، هواية الصحافة والإعلام، وخاصة في الصحافة، وعملت سكرتير تحرير من خلال الهواية. وبعدها إكتشفوا في الإذاعة عندما كنتُ أقرأ الشعر أنّ صوتي إذاعي، فعملت إمتحان ونجحت. الإختبار كان في قراءة الأخبار ووجدوا أن صوتي مقبول ومناسب، ولكن يجب أن يدرب. لا يأتي شيء دون تدريب، ولكن بممارسة، وفي ذلك الزمان كان المذيع أيضاً محرراً ،وأنا برأيي أنّ الذي يستطيع أن يتقن مهنة الإعلام، يقدر أن يتقن أية مهنة أخرى، لأنها المهنة التي يدخل بها كل شيء، وكل المواضيع، مثلاً الدبلوماسية، والعلاقات العامة، هي إعلام، السياسة إعلام، وغيرها من الموضوعات أيضاً.
-النقلة النوعية والعمل المتغير في حياتك المهنية كيف صارت؟
ج - هناك محطتان في منتهى الأهمية، المحطة الأولى عندما زعلت من إدارة الإذاعة الأردنية وسافرت للعمل في دبي. عملت في تلفزيون دبي مذيعاً لا أكثر ولا أقل، ولكن براتب مغر. أقرأ نشرة الأخبار فقط لا غير، ولكنّني إشتقت لعمان، وأنا أحب عمان كما تعرف، وكنت غير قادر أن أبعد عن عمان، فكتبت قصيدة تحت عنوان: المتنبي يبحث عن سيف، فيها رموز كبيرة. نشرت في جريدة الرأي بصفحة كاملة يوم عيد ميلاد جلالة الملك، كانت طويلة، وكان هناك إهتمام بالشعر، وأدرك الملك رحمه الله أن هذا الرسالة من حيدر له، وليس من المتنبي، فسأل رئيس الوزراء مضر بدران: ماذا يعمل حيدر في دبي؟ وصلت لي برقية تطلب مني العودة إلى عمان من رئيس الوزراء. في اليوم التالي جئت إلى عمان. عُرض علي أن أتسلّم منصباً إعلامياً كبيراً، ولكنّني فضلت أن أكون مديراً عاماً لدائرة الثقافة، قلت لهم: إنني لا أريد أن أعود لكل الإعلام، لدي جوانب ثقافية، غير تلك الإعلامية، فأريد أن أعمل بالجانب الثقافي، وليس الإعلامي. فهذا متعب جداً ومزاجي. وعينوني مديرا لدائرة الثقافة، ويعود الفضل لثلاثة أشخاص هم الملك الحسين، والشريف زيد، ومضر بدران، وبقيت فيها 7-8 سنوات على الأقل هذا في سنة 1978 أو 1979 ومنذ ذلك التاريخ لم أعد إلى الإعلام، بمعنى أنّني لم أرجع إلى الإذاعة، ولا إلى وزارة الإعلام ولا الصحافة ولا التلفزيون. الدائرة الثقافية كانت لغاية الثقافة، الغريب في الأمر أنني عندما كنت وزيرا للثقافة وبعد مرور 20 عاما وجدت أن دائرة الثقافة أهم بمليون مرة من الوزارة، لها أنشطة أكثر، وحضور أكبر، وكذلك لأسباب كثيرة، المحطة الأخرى أيضا الفضل فيها للملك الحسين والشريف زيد ومضر بدران، بعد قصيدة ألقيتها في العام 1989.
س - هل هي القصيدة التي ألقيتها بجامعة اليرموك؟
ج - القصيدة لم تكن شخصية، ولم تكن موجهة ضد الرئيس. لم تكن موجهة ضد أحد مباشرة، بعد ذلك أخذوني "وعملولي اللازم!”، كان ذلك في شهر نيسان 89 وعزلوني، والعزل هو تجريدي من كل الأمور الوظيفية على الإطلاق، كأنك لم تكن، أنا عمري ما أذيت أحداً، وطوال عمري كنت ضد هذا الشكل من أشكال التعامل. عادة ما أكتبه عن الأردن والملك والجيش ليس مديحاً بالمعنى التقليدي للكلمة، أكتب عن قضية، سواء فيما يسمى عن قصائد المدح أو القصائد الأخرى، وطبعاً هناك أشخاص تزعل، وأشخاص ترضى، وكذلك وأنا وزير كتبت مثل ذلك الشعر الحاد، ومن حقي أن أكتب بحرية، وها هي قصائدي موجودة، ولا يوجد فيها لا إسم شخص ولا مجموعة.
س - هناك من يقول إن قصائد حيدر محمود التاريخية الهامة لها علاقة بوضوح بالمصالح الشخصية، مثلاً عندما تزعل نتيجة إجراءات معينة ضدك، تعبّر عن غضبك بهذه الطريقة؟
ج - بالعكس، القصائد موجودة، ويمكن إعادة قراءتها، أنا أكتبها وأنا في حالة إسترخاء، لا أكتب وأنا غاضب، حتى عندما كتبت "نشيد الصعاليك” كنت في قمة مجدي في الحكومة. كنت مستشار رئيس الوزراء، وكتبت تلك القصيدة، الحالة الأردنية كانت تقتضي ذلك، وبالعكس أنا تضررت من ذلك، لأنني عُزلت على إثرها، وحُرمت من مصدر دخلي الوحيد، وهو المعاش الشهري. هذه حالة، وفي حالات أخرى كتبت إحتجاجاً بإسم الشعب. حتى وأنا وزير كتبت بإسم الناس.
وعندما اكتب القصائد، أكتبها وأنا "حاطط رجل على رجل”، مرتاح، ساعتها يصبح الضرر عليّ، وينطبق ذلك على قصيدة السرايا، كانت شكوى لصاحب السرايا الكبيرة، الذي هو جلالة الملك، على الحكومة وممارساتها ضد إبني، وهو جزء من هذه الأمة، والقصيدة تتحدث عن حالة عامة، إبني ليس إبني وهو جزء من هذا الشعب. إبني إستقال ولم يقل، وكان موجوداً على رأس عمله عندما كتبت القصيدة، فأنا ضرّرته بدل ما أنفعه. السلطات جعلت إبني يستقيل، وهو إستقال منعاً للحرج، ويوجد شهود على ذلك، بل بالعكس جرت إتصالات معه من رئيس الوزراء، ووزير الخارجية، وجهات مختلفة، على أن يعود عن هذه الإستقالة، ولم يقبل، هو قرر وأنا لم أتدخّل، فهو شخصية مستقلة، وعلى الرغم من أن بعض الصحف هاجمت، وهذا ما أستغربه من بعض التفسيرات. الضرر يصيبني بعد القصيدة، وليس قبلها، وطالما أننا في بلد ديمقراطي، ويقدّر، الشعر ويقدّرني أنا شخصياً، فلماذا لا يكون هناك فهم حقيقي.
مثلاً، لا يوجد بيني وبين زيد رفاعي مشكلة شخصية، وحتى اليوم، أقسم بالله، أنّ أكثر واحد يسأل عني في هذا البلد هو زيد رفاعي. مع أنّ قصيدة "نشيد الصعاليك” كانت أيام حكومته. هناك آخرون لا يميزون بين الموقف السياسي والموقف الشخصي، فالبرلمان يختلف مع الحكومة، ولا ينبغي أن يوجد كسر عظم. على الأقل، في جيلنا، كثيراً ما إختلفنا وكتبنا ضد بعضنا بعضاً في بعض في الجرائد، وكنا نعود و نتعشى مع بعض.
س - قصيدة "لبست عمّان عباءتها” هل كتبتها خصيصاً للمطربة نجاة لتغنيها؟
ج - هذه قصيدة كتبت في عيد ميلاد الملك الحسين في العام 75 فيما أذكر. كانت في مناسبة وطنية، وأنا أكتب القصائد الوطنية حتى تبقى، وليس فقط في إطار المناسبة. أنا لا أكتب القصيدة لمناسبة تنتهي في نفس النهار، أنا أكتب عن الوطن بشكل دائم، وأكتب عن عمّان. بالمناسبة أنا أحبّ عمان. أنفي عن نفسي أنني أكتب للمناسبة، هناك مَثَلُ قصائد المتنبي التي كُتبت لشخص بعينه، لكنّ الناس وحتى الآن، يستشهدون بأشعاره. هذه مهارة الفنية في أن تجعل من المناسبة قضية دائمة، وتبقى. أنا على الأقل أحفظ درسي في هذا الجانب، الأغاني تُكتب للوطن أو لقائد الوطن بشكل دائم، ولكن الفنية العالية في أن تجعلها خالدة معهما.
س - نجاة، إذن، غنت قصيدة كانت مكتوبة أصلاً؟
ج - "لا يوجد لدي تفصيل” لست خياطاً، أنا أكتب القصيدة لمجرد القصيدة. أنا شاعر، وفي أعلى الدرجات. أكتب عن عمّان، عن الذي أريد، ولا يكون في ذهني لا ملحن ولا مخرج. أنا أكتب نصاً شعرياً، وأي نص شعري في كل الشعر العربي يغنى. ولا يكون في ذهني أحد يغنيها، بغض النظر فيروز أو محمد عبدالوهاب، ليس هذا عملي، مع أنّ عندي ذائقة موسيقية عالية.
س - في إحدى المقابلات قلت إن الشعر لا يُطعم خبزاً، هل ينطبق على حيدر محمود؟
ج - لا يوجد وظيفة إسمها شاعر. وأنا لم أتقاض أجراً على أيّ نصّ كتبته في حياتي، لا من الكبار ولا الصغار، و أتحدى أي أحد يقول إن حيدر محمود أخذ نقوداً من أية جهة على الإطلاق، يوجد شعراء يبيعون أنفسهم، مثل أن تأتي مؤسسة وتؤسس للشاعر داراً للنشر، نزار قباني الله يرحمه كان يطلب مبالغ معينة على أمسياته، حيدر محمود لا يطلب مقابل نص غنائي، أو يأخذ نقوداً. والله لم أخذ فلساً واحداً من أية جهة، وإني مرة إشتريت من دار النشر نسخاً أريد أن أهديها، والله إشتريتها من نقودي، وإسأل.
س - هناك محطات جمعتك مع جلالة المرحوم الملك الحسين، تحدث لها عنها، وعن شخصيته؟
ج- كان جلالته يُصر على أن أكون موجوداً في أي إحتفال، وفي المناسبات الوطنية. كان يحب أن يسمع شعري، وكان أحياناً يبكي. حين كنت ألقي عن القدس، على سبيل المثال، ولدي أشرطة فيديو، وذلك حين كان الإعمار الهاشمي سنة94 ، تلك القصيدة التي تدرس الآن لطلبة الثانوية: "دم الشريفين وشم"، هذه القصيدة كانت نقطة ضعف للملك حسين رحمه الله، كان يبكي كلّ ما ذكرت القدس، وأنا أشهد أنّ عند جلالة الملك عبدالله الثاني هناك ذائقة خاصة إستثنائية، ويحترم الشعر والمثقفين والشعراء، وإذا تتذكر، وعودة إلى بداية هذا العام 2007 عندما إجتمع برموز الثقافة، وأمر ببناء دارة الملك عبدالله للثقافة والفنون. عند جلالة الملك عبد الله الثاني توجهه الإستثنائي تجاه الحركة الثقافية، وتبرع بـ10ملايين دينار لبناء الدارة، وأن نجعل منها دارة للثقافة والفنون، وفيها دارة الأوبرا، وسوف تكون ضخمة، الأكبر في المنطقة، للهاشميين علاقة بالشعر، وليس جديداً عليهم.
س - هناك خط كبير للهاشميين في قصائدك؟
ج - نعم، أنا هواي هاشمي، ولا أنكر ذلك، ولا أدّعي عكسه، هناك إرث متواصل: الملك عبدالله الثاني وليد الملك الحسين وهو إبن الملك طلال وأساس الملك المؤسس وكذلك صاحب الثورة العربية الشريف الحسين، الهاشميون لهم أثر شرعي ديني، كل ذلك متّصل على بعضه البعض، وأنا متأثّر بكل هؤلاء وبكل آل البيت، ومن محبيهم، والشعر يأتي من الإيمان، وهناك لقاءات خاصة للتعرف عن قرب.
س - غير قضية القدس ماذا كان يؤثر في الملك الحسين؟
ج - كانت القضايا الإنسانية تهزّه، وهذا ما يميّز الملك عبدالله الثاني أيضاً: القضايا الإنسانية، هناك قضايا تجرح، قضايا الفقر والبطالة والمرض. أنا تُثيرني، فما بالك بملك هاشمي .
س - هناك بعض الناس الذين يقولون إن وجودك كشاعر للبلاط حماك من النقد؟
ج- لا ليس صحيحاً، فأن أنتقد أكثر من أي واحد في الدنيا، بل إنّ بعض النقاد "يتبلّوني”، والمشكلة في هذا، أولاً أنه لا توجد وظيفة إسمها شاعر. طبعاً فقط في بريطانيا هناك شاعر بلاط. أنا شاعر فقط، لكننّي أحب الملك، وأحب الوطن، وهذا موضوع آخر، ما كان بيني وبين الملك الحسين هو علاقة عشق صوفية، إنسحبت الآن إلى الملك عبدالله الثاني. وهي علاقة صادقة، أما مسألة شاعر البلاط، فأنا لا أعتبر نفسي شاعر بلاط، ولست ضد ذلك، بل بالعكس أنا يشرفني أن أكون شاعر بلاط، ولكن هل يوجد شاعر يعمل شاعراً، إلا في بريطانيا حيث شاعر البلاط يأخذ معاش وزير، وكأنه برتبة وزير، ولا "شغلة ولا عملة له إلاّ أن يكتب قصيدة في السنة مرة أو بالمناسبات”. حتى المتنبي لم يكن شاعر بلاط، في المعنى الحرفي، يعني عندما زعل من سيف الدولة، ترك الدنيا وعاش مبسوطاً.
س - أحس أنك مصقول بشخصية المتنبي؟
ج - طبعاً، هو شاعر عظيم، عجيب، وشعره لا يصدر إلا عن شاعر عظيم، المتنبي كان بعكس ما صوّره بعض الجهات، وبعض النقاد، وقالوا إنه يتهافت على المال. لا، هو لم يكن كذلك، هو كان يحب النقود بالشكل المطلق، وأنا بالمناسبة عكسه تماماً. وأنا لا أحب المراوغة، ولكن كيف يأتي الشعر وأنت بين أربعة جدران، يجب أن تسافر وتشاهد الدنيا، وتعيش، وأنا أحب الحياة، بمعناها الجميل، النبيل، فالمتنبي أولاً كان إنساناً عظيماً، وهناك جانب لا يعلمه أحد، سئلت قبل فترة: هل كان يطلب الولاية؟ أية ولاية؟ هل كان يريد أن يكون وزير، أو وكيل وزارة، ليس هكذا، كان يريد ولاية الأمر، الآن أصبحنا نعرفه أكثر من أي جيل سبقنا، كان يريد ولاية الأمر،
س - أيّ أبيات المتنبي الأحب إليك؟
إذا أردت أبياتاً تختصر ما نتحدّث به فهي:
إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم
إذا أردت أن تنال هدفك، فلا بد أن تغامر، لا بد أن تبلغه بـ”صرماية” أو برصاص. سيّان، نفس الشئ، فالموت موت، بأية طريقة كانت، لكن إذا غامرت فلا تقتنع إلا بالنجوم، وهذا الكلام يؤكد أنه لا يريد منصباً بسيطاً، منصب ولاية "شو ولاية، يعني وزير؟” هو كان أهم من الوزير، وأهم من أمير، وكان يريد شيئاً أكبر من ذلك، ولم يستطع أخذ ذلك، في ذلك الزمان. لولا أنه أغتيل على يدي هذا التافه فاتك الأسدي، وهو ليس له علاقة بالشعر، والتهمة كانت غير صحيحة، ولو حدث ذلك في زماننا، لاتهمنا الدول العظمى في تلك القضية. هي قضية أكبر بكثير من مجرد أن "واحد تافه جاء يتصدى للمتنبي”، هو إغتيال سياسي، حتى يحول بينه وبين تحقيق ولاية الولاية، أي يصبح والي للأمر. هذا تحليلي لهذا الرجل العظيم، من ما قال لك إن المتنبي مات؟ مازال موجوداً، لا يوجد ولا سياسي ولا شاعر ولا طبيب إلا يستشهد بشعر المتنبي.
س - أنت تعبر عن غضبك، أو فرحك، بالكتابة، هل حدث أنك عبّرت عن ذلك في غير الكتابة؟ قالوا إنك في إحدى المرات حاولت أن تنتحر؟
ج - لا أعوذ بالله.
س - هنالك إشاعة أفادت بأن حيدر محمود حاول الإنتحار في الماضي البعيد؟
ج - لا، ليس صحيحاً، وأنا أنفيها نفياً قاطعاً، أنا مؤمن كثيراً، وأنا من أكثر الناس في الدنيا من المؤمنين، وأنا لا أعزّي المنتحرين، حتى لو كانوا أعز الناس، وأقربهم إلى نفسي، لا أريد أن أسمّي أسماء، لأن هذا قاتل نفسه مجرم، وأكثر واحد مؤمن بالقضاء والقدر هو أنا.
وأنا علاقتي بالله سبحانه وتعالى علاقة قوية، وواحد مؤمن مثلي لا يمكن أن يحاول الإنتحار. هناك قصيدة كتب عنها بعض الناس إسمها: الضد، أخذوا منها بيتاً، إجتزأوا منها إجتزاء، يقول البيت عن الدنيا: لعل الخروج منها إقتناعاً، هو خير الخروج منها ضياع، فكروا أن هذا إعلان إنتحار. أولا: الذي يريد الإنتحار لا يعلن مسبقاً من ناحية سيكولوجية، والشاعر لا يفكّر أن يغادر الحياة بالعكس، يفكر بالتمسك بالحياة لأنه يكتب شعراً،
س - تحدث لنا عن تجربتك في العمل الدبلوماسي؟
ج- أنا قدمت أوراق إعتمادي كسفير لرئيس الدولة التونسية فخامة الرئيس زين العابدين بن علي، وإستأذنته أن أقدم أوراقي كشاعر، فذهبت في موكب رسمي، وأذكر أن القصيدة التي كتبتها صارت مشهورة، ونشرت في ذلك الوقت، وكُتب أن السفير الوحيد الذي قدم أوراقه كشاعر. تصوّر أهمية أن تذهب كرمز ثقافي، وكل تونس فتحت أبوابها، تونس البلد العربي الوحيد الذي يضع صورة شاعر على أعلى ورقة نقدية عندهم في 30 دينار. إنه رمر، وضعوها عندما أصبحت تونس عاصمة الثقافة العربية، أظن في 96 ، مثل إيطاليا عندما وضعت على ورقة كبيرة صورة ليوناردو دافنشي الفنان المشهور، وتونس عملوا مثلها. أي بلد ممكن أن يعملها، مثلاً أحمد شوقي، ماذا يمنع مصر أن تضع صورته على الجنيه؟
س - عملت في السياسة والدبلوماسية والثقافة والإعلام في أي محطة ترى نفسك أكثر؟
ج - أنا لا أجد نفسي إلا في الشعر، وبقية الأشياء بصراحة مجرد تفاصيل. مثلاً المدير أو الطبيب أو الوزير في آخر عمله يأتي ويقول أريد أن أرتاح، أما الشعر والصحافة إبداع وثقافة هي كلمة وهي الأساس.
أي مبدع حقيقي، كان من كان، هذا الإبداع أكبر بكثير من المنصب، المنصب ينتهي، فهناك مليون وزير سابق، ولكن لا يوجد شاعر سابق، الشاعر يبقى شاعراً حتى يموت، وهو لا يموت.
س -- هل نُشر كلّ ما كتبت أم يوجد ما لم ينشر؟
ج - لا، ولكن ميزتي أنني عملت في السياسة، وعملت إعلامياً، وهناك قصائد لو نُشرت في حينها أولاً بأول، قد تحدث آثاراً سلبية عليّ، ليس على صعيد الوظيفة، وهناك قصائد لا تُنشر إلا في توقيت معين، ولي قصائد يمكن أن تُكتب في زمن، وتُنشر في زمن آخر، وتحدث آثراً معيناً،
س -هل تحقق لك النجومية مناعة معينة؟
ج- أقدر أن أقول لك إنّ نجوميتي لها أثرها، النجم أيضاً لا يكرّسه إلا ذاته. أنت متميز مبدع إذن أنت تفرض نفسك على الساحة، ولا يكفي أن تفرض نفسك على الساحة المحلية، هذه ليست نجومية. الشطارة أن تكون نجماً يستحق هذه النجومية، خارج الوطن، على الأقل في الساحة العربية. يعني أنا لي مكانة، وأزعم أن لي مكانة خاصة في عواصم الثقافة العربية الدائمة: القاهرة، بيروت وبغداد، وقبل أن أصبح نجماً هنا. المشكلة أن هذا سيف ذو حدين، إنك إذا نّجمت شخصا ًغير نجم، يبهت هذا النجم. أن تصبح نجماً عربياً وعالمياً فهذا ليس سهلاً. لا الأشخاص ولا الحكومات تستطيع أن تفعله، وحتى أجهزة الإعلام، أنت إبداعاتك. إنت ذاتك. هناك أشخاص كتبوا عني، وكتبوا عن الأنا عندي، وكلّ الناس عندها الأنا، ولا أحد ينكرها، وسوف يثبت يوماً ما أن هؤلاء الأشخاص ليسوا على صواب،
س - ما هي أحب القصائد إلى قلب حيدر محمود؟
ج - هناك أكثر من قصيدة. من الصعب التحديد، لي كمّ هائل من الشعر، ومجموعة كبيرة من الدواوين. أكثر من 10 دواوين. أقربها لي الذاتية، التي تنبع من الذات. وإذا أردت أن أحدد إسم قصيدة فهي "ثريا العين” هذه القصيدة، وهي بإسم أمي، وأمي الله يرحمها متوفية منذ زمن، وجاءت في إحدى المرات إلى منطقة الروح، مع أنها ليست شاعرة، وذكرتني بأن لا أنسى موجة البحر التي حملتني، أول ما جئت إلى الدنيا، وأنا إعتبرتها ذاتية جداً، وكتبت أنه بعد رحيل ثريا الغيث كم هو الجفاف في العالم.
وهناك قصيدة لصدام حسين، إتهمت بأن هذه القصيدة لي هذه القصيدة كانت فعلاً لصدام الحسين، وهو كان شاعراً، شاعراً كبيراً، وأنا أعرفه جيداً، وحينها أجبت أن العراق ليست بحاجة إلى شاعر، ولا أظن أن شاعراً آخر كتبها، أو كانت لشاعر آخر،
س - هل صار أي إحتكاك مع شخصية صدام؟
ج - أنا أعرفه جيداً، وعلاقتي به كانت ممتازة، ولي صور معه، كان يأتي ويحضر لي بعض الأمسيات، طبعاً ليس كل الأمسيات، لا أدعي أنه كان بيننا علاقة حميمة.
س - بالنسبة لحياتك العائلية كيف تزوجت؟
ج - أنا تقليدي جداً، بكل هذه المسائل، هناك قضايا تشغلني أكثر من قضايا الحب والغراميات، وحتى شعري يخلو من ذلك، وزواجي كان عادياً جداً، لا توجد قصة لأرويها.
س - كم عدد أولادك؟
ج - لدي ولدان وإبنتان، ولد مهندس في سلاح الجو، والآن هو مقدم، وعمار الآن في السفارة في لندن يعمل في المكتب الإعلامي، أسامة متزوج، وفي الطريق حفيدي، وهو أول حفيد، عمار ليس متزوجاً، وأنا أبو أسامة على فكرة، عمّار عرف أكثر بسبب قصة الخلاف.
أسامة ليس له علاقة بالشعر، عمار لديه ميول للأدب وليس الشعر، وهو كاتب جيد، لا أعلم إذا رأيت إستقالته بالجريدة بشرفي لا علاقة لي بها، لم أرها إلا بالجرائد، يكتب أحسن مني في السياسة، وعلى مسؤوليتي، وإنه يعرف أربع لغات.
س- لماذا لا يكتب بالجرائد؟
ج - هو لا يحب، "مش فاضي”، ولكن لو ترى الموقع الإلكتروني التابع للمكتب الإعلامي للسفارة في لندن تجد أنه يعمل باللغتين الإنجليزية والعربية، وكل ما يكتب عن الأردن في الصحافة العالمية يترجم ويضع في الموقع، وأظن أن هذه المسائل تأخذ كل وقته. أما الإبنتين، فواحدة متزوجة، والأخرى تعمل،
س -- هل تقضي وقت مع أسرتك؟
ج - أقضي، ولكن كل واحد في جهة، عمار في بريطانيا وأسامة متزوج، لكن الأسرة بمعنى الأسرة الموجودة في السابق لا توجد، البنت متزوجة، والأخرى لا تراها دائماً، عمار رغم أنه في لندن له بيت لوحده في عمان.
س - هل ترى أنه يمكن أن يكتب شعر عمار؟
ج - لا. له ميول شعرية ولغته العربية متقنة، ويكتب إذا أراد سياسة، وأحيانا أنا أغار منه، لغته جميلة وله أسلوب،
س - هل ترى محطة لم نمر عليها، وتحب أن نقف ونتكلم عنها؟
أنا حاسس أني تكلمت عن جوانب لم أكن أريد بحثها، بالعكس أنت جعلتني أتكلم عنها، وأنا مبسوط لذلك، تكلمت عن أشياء بعمري لم أقلها.

   
الإسم
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الهلال نيوز الإخباري' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .

الاردن الاخبار , اخبار الاردن, عاجل من الاردن , المحافظات الاردنية ,الطقس بالاردن
اخبار الاردن
الاردن اليوم
أكشن اليوم العربي Action Today Action Today