الناشر و رئيس التحرير : محمود كريشان
التاريخ : 2013-04-27
الوقت :

عبدالحميد السائح.. يا قارىء القرآن

الهلال نيوز - كان لرجال الدين المسلمين أدواراً لم تقف عند حدود الوعظ والإرشاد وحسب، بل تجاوزت المؤسسة الدينية، فهم معلمون وإداريون، ومفكرون كان لهم إسهاماتهم في النهضة الفكرية والحضارية للأمة، منذ فجر الدعوة الإسلامية، ففي العصر الحديث لعب جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وكذلك رفاعة الطهطاوي وغيرهم، أدواراً مركزية في وضع أسس النهوض بالثقافة والفكر الإسلامي العربي، ولا شك أن تأثير هؤلاء الدعاة المفكرين، تردد صداه في أصقاع الوطن من أقصاه إلى أقصاه، ومما لاشك فيه فأن رجالات العلم والفقه في بلاد المشرق العربي، قد استقوا من هذا الواقع، وتشربوا من الفكر المستنير، الذي كان حاسماً في الثورة الثقافية التي بدأت بالبروز منذ أوائل القرن المنصرم، وكانت مدن فلسطين كمدينة القدس ونابلس ومدن الساحل، تقع في منطقة التأثير والتأثر، ولعل الشيخ عبد الحميد السائح أحد ورثة هذا الإرث الكبير، فقد تميز بعلمه العميق وفقهه الذي سخر في سبيله خبرته العلمية والعملية، مما جعل له مكانة علمية كبيرة، فقد أهله كل ذلك للتقدم في الحياة الاجتماعية، والمناصب العلمية والسياسية، ويحظى بإجماع نادر، من كل من عمل معه أو عرفه.
شكلت مدينة نابلس الحضن المكاني، والفضاء المحلق بالنسبة لعبد الحميد السائح، الذي ولد فيها عام 1907م، وكانت نابلس كما هي دائماً تشهد حركة ناشطة في مختلف المجالات، فالتجارة وتبادل البضائع، والحرف المختلفة، والكتاتيب والمدارس، والحراك السياسي، شكلت كلها إيقاع هذه المدينة المتميزة، وكان من نصيب السائح أن يحظى بتربية دنية خاصة، فبالرغم من انتمائه إلى عائلة بسيطة ومتوسطة الحال، إلا أن التزام والده الديني، قد انسحب على أبنه، الذي نشأ حريصاً على أداء الفرائض منذ صغره، وقد رافق هذه التربية الدينية المحافظة، حرص واضح على التعليم، وتقدير حقيقي لدور العلم في نهوض الأمة وتقدمها، فلقد انتخب والده في مجلس المبعوثان العثماني، واستمع لحوارات والده السياسية وتأثر بها، لذا سعى السائح منذ طفولته لتلقي العلم والمعرفة بطرق شتى، سواء من خلال الكتاتيب والمساجد أو من خلال المدارس، حتى أن الفرائض منها الحج تؤدي دورها التعليمي، فقد قام بأداء فريضة الحج أول مرة وهو دون العشرين، وقد تميز بالجدة والاجتهاد منذ خطواته باتجاه الدراسة، فبرز كتلميذ نجيب، سريع الحفظ، متفرد في التحصيل الدراسي، وقد لفت الانتباه في حفظ وتلاوة القرآن الكريم، وهو توجه طبيعي، ناتج عن بيئة البيت، والسياق العام، مما جعله متمكن من اللغة العربية وقواعدها، وقد فتح له ذلك آفاق المناهج الأخرى بسهولة أكثر، وقد بدأ عبد الحميد السائح دراسته في مدينته نابلس، في مدرسة « الخان» حيث درس فيها المرحلة الابتدائية، وقد لفت انتباه مدرسيه عندما تمكن من حفظ القرآن كاملاً وهو في عمر الحادية عشرة.(د. محمد العناقرة، رجالات من الأردن)
انتقل السائح إلى مدرسة أخرى هي الرشادية الشرقية، من أجل إكمال المرحلة الابتدائية التي كانت تضم المرحلة الإعدادية وقتئذ، وأكمل فيها أيضاً المرحلة الثانوية، وقد تأثر بعدد من أساتذته في المدرسة الرشادية، وكان للشيخ سليمان الشرابي، الذي تابع دروسه الدينية، دور حاسم في توجيهه نحو الأزهر الشريف للدراسة، وكان الأزهر قبلة العلماء وطلبة العلم، ونظراً لأن السائح تلقى تعليمه المدرسي في ظل حكم الدولة العثمانية، فقد تمكن من إتقان اللغة التركية، التي فرضت على المدارس العربية في أواخر هذه الحقبة، وبعد أن أنهى الثانوية بنجاح متميز، حقق حلمه بالسفر إلى مصر للدراسة في الأزهر الشريف، وقد تمكن من ذلك مع عدد من زملائه، بتدخل من قبل الشيخ أمين الحسيني مع نائب مصري، حيث انتظم في مدرسة القضاء الشرعي، وبعد مضي ثلاث سنوات حصل السائح على شهادة في القضاء الشرعي، وكان ذلك في عام 1927م، فكان من الشباب الرواد المتخصصين أكاديمياً في القضاء الشرعي، بعد الدراسة في معهد مرموق، وقد كان لعلمه وسعة اطلاعه، وطلاقة لسانه وفصاحته باللغة العربية، دور في مساعدته على تكوين حلقة علمية خاصة به في الأزهر الشريف، وأصبح له تلامذته وطلابه الذين يؤمون حلقته العلمية، لينهلون من علمه في الفقه والعقيدة وعلوم اللغة العربية.
عاد عبد الحميد السائح إلى فلسطين، وقد بدأ حياته العملية في إعطاء دروس في عدد من المساجد، وبعد هذه الفترة، سعى للعمل لدى مديرية المعارف – التربية – في إمارة شرق الأردن، فتم تعيينه مدرساً للغة العربية والتربية الإسلامية في مدرسة اربد الثانوية، مكث سنة في مدينة اربد، حتى طلبه المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين، وقد عمل كاتباً في المحكمة الشرعية، لكنه تمكن من تحقيق حلمه الثاني عندما تم تعيينه قاضياً بالوكالة في محكمة نابلس في عام 1932م، وبعد ذلك بثلاث سنوات أصبح السائح قاضياً أصيلاً، وعاد للعمل لدى المجلس الإسلامي الأعلى بوظيفة سكرتير المجلس، لكن العمل في القضاء الشرعي هو المكان الذي يمكنه من توظيف علمه وثقافته الواسعة، لذا عاد للعمل في القضاء لكن هذه المرة في القدس، وبعد نكبة عام 1948م، عينته الحكومة الأردنية بوظيفتي رئيس الاستئناف ومدير مديرية الشريعة في الضفة الغربية، ونظراً للمكانة الكبيرة التي حظي بها فقد اختارته الأردن ضمن الوفد الأردني لدى الأمم المتحدة، لكنه سرعان ما دخل الحكومة وزيراً، عندما عهد إليه رئيس الوزراء بهجت التلهوني بحقيبة الشؤون الدينية والأماكن المقدسة، وقد جمع مع هذا المنصب الوزاري منصب قاضي القضاة.
عرف السائح بنشاطه السياسي منذ دراسته في الأزهر، ومشاركاته في عدد من المظاهرات، وكتب مقالات بطابع سياسي عن القضية الفلسطينية، وكانت له مشاركات في مؤتمرات عربية ودولية دافع خلال عن القضية فلسطين، ورغم ميوله السياسية إلا أنه لم ينتسب إلى أي حزب سياسي، وفضل العمل السياسي المستقل، ومن المناصب المهمة التي شغلها خاصة بعد خدمته الطويلة في العمل الحكومي، هو رئاسته للمجلس الوطني الفلسطيني، الذي مر بعدة تحولات، وكان السائح مبدئياً يرتكز على أسس واضحة في فكره ونهجه في الحياة، فلقد حارب الصهيونية والانتداب البريطاني، مما جعله يفقد وظيفته أكثر من مرة، وقد اصدر فتوة بتحريم بيع الأراضي لليهود، وكان السائح ضد الصلح مع إسرائيل، وقد استقال من رئاسة المجلس الوطني الفلسطيني، معللاً ذلك بأسباب صحية.
لم يكن الشيخ عبد الحميد السائح مجرد عالم دين، وقاضٍ شرعي متميز فحسب، بل كان مفكراً مستنيراً، وكاتب مقال متفرداً، وخطيباً مفوهاً ومحاضراً صاحب أسلوب خاص ممتع، وقد ألف عدداً كبيراً من الكتب منها، « التضامن الاجتماعي في الإسلام « و» مبادئ في الدين الإسلامي « و» مكانة القدس في الإسلام « وغيرها من الكتب المهمة التي وصل عددها ثمانية وعشرون كتاباً، وكان له حضوره الفاعل في المؤتمرات التي عقدت في عدد من البلدان كالجزائر و مكة المكرمة، والرباط والقاهرة، وكان له اهتمام بالجوانب الاقتصادية، حيث شارك في مجموعة من الندوات الاقتصادية المختلفة، وقد حقق مكانة واحترام كبيرين خلال حياته العلمية والعملية، وكان سياسياً هادئاً لم يثر الصخب حوله، وقد وصفت حياته بأنها مجموعة من النجاحات المتصلة، التي حققها بالكد والتعب والصبر، ونظراً لتميزه وإخلاصه في العلم والعمل، فقد نال مجموعة من الأوسمة الرفيعة، منها وسام النهضة من الدرجة الأولى، ووسام الكفاية الفكرية، ووسام الفاتح العظيم، ودرع المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية.
شكل الشيخ عبد الحميد السائح حالة خاصة في التمازج القومي والوطني، ضمن الفكر الإسلامي الجامع، ولم يفرق بين غرب النهر وشرقه، وخدم أمته الإسلامية، ونافح عن قضية العرب الجوهرية فلسطين، وعن مكانة القدس لدى العرب والمسلمين، فكان رجلاً اتفق عليه وحوله الناس، ولم تغب صورته الناصعة عن الذاكرة فهو دائم الحضور المعطر بالسمعة الطيبة ورائحة المسك.
  • ( 1 )
    عبيدات
    2013-04-27
    رحمه الله
   
الإسم
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الهلال نيوز الإخباري' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .

الاردن الاخبار , اخبار الاردن, عاجل من الاردن , المحافظات الاردنية ,الطقس بالاردن
اخبار الاردن
الاردن اليوم
أكشن اليوم العربي Action Today Action Today