التاريخ : 2012-05-28
الكاتب : كمال جلوقة

عن الشركس..




تحيي الأمة الشركسية في كل عام ذكرى 21 آيار، يوم الحزن الشركسي، ففي الحادي والعشرين من آيار عام 1864 أقامت القوات الروسية القيصرية الغازية لموطن الشراكسة التاريخي احتفالا كبيرا في منطقة التلة الحمراء بالقرب من مدينة سوتشي ، سيرت به عرضا عسكريا كبيرا احتفالا بما سموه “النصر على الأمة الشركسية”، بعد حرب ضروس استمرت مئة عام وعام، وبعد هذا التاريخ اعتبرت روسيا القيصرية أن أراضي الأمة الشركسية قد آلت إليها، وأن على الشعب الشركسي قبول الهزيمة والانصياع لرغبة الدولة الروسية في إسكانهم بالمناطق التي تبنيها لهم لتسهيل السيطرة على تحركاتهم أو الرحيل إلى أراضي الدولة العثمانية، وأن كل من لا ينصاع لذلك سيعامل معاملة أسير حرب وتصادر أملاكه وممتلكاته ويسجن أو يحاكم بتهمة العصيان المسلح والتي نتيجتها الإعدام. وبذلك سيقت الآلاف المؤلفة من أفراد هذه الأمة المناضلة إلى سواحل البحر الأسود حيث تم تهجيرهم بالقوة وتحت ظروف غاية في القسوة؛ ما أدى إلى موت أعداد كبيرة منهم في عرض البحر أو على دروب التهجير وفي ظروف الإسكان في مناطق لاتلائم أسلوب حياتهم أو من جراء تفشي الامراض بسبب الظروف القاسية، و تقدر بعض المصادر عدد الذين ماتوا بهذه الظروف بحوالي مليون شخص.

ولم ينس الشركس وطنهم ومأساتهم فقاموا بإدخالها إلى أدبياتهم اليومية وعلموها لأولادهم وتذكروها في أغنياتهم الحزينة التي غنوها في كل المناسبات، ومنذ بداية الستينيات من القرن الماضي بدأ في دول الشتات الشركسي حراك يدعوا إلى العمل الممنهج، فقامت جمعيات شركسية كثيرة تمحورت حول هدف واحد وهو إعادة إحياء الأمة الشركسية لغة وتراثا ، وأملا متجددا في العودة إلى الوطن الأم، وتحقيق التواصل مع الأهل الذين صمدوا على أرض أجدادهم والذين يقدر عددهم حاليا بمليون نسمة ،يتوزعون على ثلاث جمهوريات اتحادية وفي مناطق أخرى من روسيا وهم يعانون من ضعف الكثافة السكانية ، فقد اصبحوا أقليات عرقية وثقافية في وطنهم التاريخي، وفي عام 1991 اتخذت الجمعية الشركسية العالمية قرارا بإحياء ذكرى 21 أيار من كل عام كيومٍ للحزن الشركسي تتذكر فيه الأمة مأساتها وتعيد الأمل إلى أجيالها الشابة بإعادة إنشاء الوطن الشركسي على أرض شركيسيا التاريخية، هذه الأرض التي تمتد من سهول تيرك في وسط القفقاس الشمالي إلى البحر الأسود ، ومن سلسلة جبال القفقاس الشاهقة حتى نهر الدون شمالا، والتي عاشت فيها الأمة الشركسية منذ فجر التاريخ وتعرضت لغزوات المغول والتتر وغيرهما من الأمم، ومنذ القرن الخامس عشر تعرضت لغزوات الدولة القيصرية الروسية، إلى أن كثفت هذه الدولة من حربها ضد الشراكسة بدءا من عام 1763 وانتهاء بعام 1864 الذي احتفلت فيه بالانتصار على الأمة الشركسية.

ومما يزيد من أهمية هذه الذكرى أن دولة روسيا الحديثة لا زالت تسير على نهج سابقاتها من دولة روسيا القيصرية والاتحاد السوفيتي من عملية ترويس ممنهج للسكان الأصليين ومنهم من بقي على أرض قفقاسيا من الشركس، وتستمر في إنكار معظم حقوقهم القومية والتي من أهمها الاعتراف بالمذابح التي ارتكبتها روسيا القيصرية في حق هذه الأمة المكافحة والرافضة للخضوع والإخضاع، وهي سياسة تتخذ عدة أشكال: من أهمها الاستمرار في إدماج الشركس في الثقافة واللغة الروسية ، وتحجيم الاقتصاد المحلي للجمهوريات الشركسية الثلاث من خلال وضع العوائق أمام الاستثمارات الرسمية والأهلية والأجنبية لتشجيع شبابها على الهجرة إلى المناطق الأخرى من روسيا، وزيادة القبضة الأمنية وفرض سياساتها التي تزور التاريخ وتحاول أن تثبت لنفسها أن الشركس قد انضموا طواعية للأمة الروسية قبل 450 عاما استنادا إلى محاولات بعض الأمراء التحالف مع روسيا لدرء غزوات تتار القرم التي كانت تعيث في أرضهم الخراب، وأن الحرب القفقاسية ماهي إلا ثورات مسلحة قامت بها بعض القبائل غير المتحضرة على سلطة الدولة المركزية.

وفي هذا العام ايضا تحيي الامة الشركسية هذه الذكرى بمسيرات إلى أهم محطات التهجير مثل موقع “كفكن” في شمال غرب تركيا على شاطىء البحر الأسود الذي شهد نزول أولى قوافل المهجرين المنهكين، ويحتوي مقبرة كبيرة لشهداء التهجير الذين لم يحتملوا ظروف الرحلة، ووقفات أمام السفارات الروسية وفي الجمعيات والمؤسسات الشركسية، وهي أنشطة سلمية الطابع تتوجه إلى ضمير الأمة الروسية ومثقفيها ومؤسساتها السياسية بضرورة وضع حد لهذا العداء الذي استمر لعدة قرون بين الأمتين الشركسية والروسية من خلال الاعتراف بالمأساة التي فرضتها روسيا القيصرية على الأمة الشركسية، وإعادة حقوقها المغتصبة والتي من أهمها حقها في العيش كأمة ذات تراث عميق ومتجذر في ارض شيركيسيا.

واقامت الجمعية الخيرية الشركسية في الاردن تجمعا جماهيريا كبيرا احيت من خلاله هذه الذكرى وحضرته كافة الفعاليات الشركسية، كما حضرته الفعاليات الأردنية المختلفة التي تكن للشركس الاحترام والتقدير كمجموعة وطنية أسهمت في بناء الأردن الحديث. .

وهنا لا يستطيع المرء في مثل هذه الذكرى إلا أن يدعو لشهداء الحرب والتهجير بالرحمة ويناشد الضمير العالمي بدعم إرادة الشعوب وإصرارها على البقاء في وجه السياسات الاستعمارية القديمة ،ومحاولات التذويب العرقي، وأن يدعو شباب الأمة للعمل على تحقيق الآمال المشروعة للأمة الشركسية، ضمن جو من التعاون بين الأمم والشعوب من أجل تقدم الإنسانية.

   
الإسم
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الهلال نيوز الإخباري' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .

الاردن الاخبار , اخبار الاردن, عاجل من الاردن , المحافظات الاردنية ,الطقس بالاردن
اخبار الاردن
الاردن اليوم
أكشن اليوم العربي Action Today Action Today